الْمِحْفَظَةُ فِي سُوقِ الْعَطَّارِينَ

مِنْ 9 إِلَى 12 سَنَةًوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 9 دَقَائِقَ

قَالَ العَمُّ حسنٌ: «أَغمضْ عينيكَ.»

أَغمضَ طارقٌ عينيهِ، فَمَرَّ شيءٌ تحتَ أنفِهِ.

«هَيْلٌ.»

«وَهَذَا؟»

«كَمُّونٌ قديمٌ، مِنْ أسفلِ الكيسِ.»

ضَحكَ عمُّهُ. «وَهَذَا؟»

تَأخَّرَ طارقٌ لحظةً. «رأسُ الحانوتِ الَّذِي نَخلطُهُ نَحْنُ. وَقَدْ زِدْتَ فِيهِ القَرَنْفُلَ.»

كَانَتْ هَذِهِ لعبتَهُمَا فِي دُكَّانِ العَمِّ حسنٍ، فِي سوقِ العطَّارينَ، حَيْثُ يَعملُ طارقٌ بَعْدَ المدرسةِ. كَانَ فِي الحاديةَ عَشْرَةَ، وَكَانَ أنفُهُ أشهرَ مِنْهُ فِي السوقِ.

وَكَانَ صديقُهُ العَمَّ بلالًا، الحمَّالَ الأصمَّ، الَّذِي يَعرفُ القادمَ مِنْ رجفةِ الأرضِ تحتَ قدميهِ، وَيَحملُ كيسَ الملحِ كَأَنَّهُ مخدَّةٌ. عَلَّمَ طارقًا الكلامَ باليدينِ مُنْذُ كَانَ فِي السابعةِ. لَا يَفهمُ بلالًا فِي السوقِ كُلِّهِ غَيْرُ طارقٍ، إِلَّا فِي الأشياءِ البسيطةِ: احْملْ، ضَعْ، كَمْ؟

فِي مساءِ يومٍ حارٍّ، وَهُوَ يَكنسُ حولَ أكياسِ السُّمَّاقِ، وَجدَ محفظةً جلديَّةً سوداءَ.

فَتحَهَا. لَمْ يَرَ فِي حياتِهِ مالًا كَهَذَا. عَدَّهُ مرَّتينِ: إيجارُ بيتِهِمْ أربعةَ أشهرٍ. لَا اسمَ وَلَا بطاقةَ، إِلَّا ورقةً مطويَّةً عَلَيْهَا أرقامٌ: 6، 14، 26.

كَانَ عمُّهُ قَدْ ذَهَبَ. وَضعَ المحفظةَ فِي حقيبتِهِ، وَقَالَ لنفسِهِ: غدًا.

فِي البيتِ جَلسَ إِلَى طاولةِ المطبخِ، وَالحقيبةُ بَيْنَ قدميهِ. كَانَتْ أمُّهُ تَعدُّ النقودَ، كَمَا تَفعلُ كُلَّ ليلةٍ مُنْذُ أُغْلِقَ مصنعُ أبيهِ، وَتَضعُهَا أكوامًا صغيرةً: للخبزِ، وَللكهرباءِ، وَللإيجارِ. حذاءُ أختِهِ مثقوبٌ، وَلَيْسَ لَهُ كومةٌ.

رَفعَتْ رأسَهَا. «مَا بِكَ؟ وجهُكَ أصفرُ.»

«لَا شيءَ.»

لَمْ يَنَمْ تلكَ الليلةَ. لَمْ يُخرجْهَا مِنَ الحقيبةِ، وَلَمْ يُخبرْ أحدًا. كَانَ يَقولُ لنفسِهِ: غدًا أُعيدُهَا، ثُمَّ يَجدُ نفسَهُ يَحسبُ كَمْ حذاءً تَشترِي.


حِينَ دَخلَ السوقَ فِي الصباحِ، سَمِعَ الصراخَ قَبْلَ أَنْ يَصلَ.

كَانَ الناسُ مجتمعينَ أمامَ الدُّكَّانِ. فِي الوَسَطِ رجلٌ ببدلةٍ رماديَّةٍ يَصيحُ: «محفظتِي! كَانَتْ مَعِي هُنَا أَمْسِ! وَهَذَا الحمَّالُ كَانَ يَنقلُ الأكياسَ هُنَا!»

وَالعَمُّ بلالٌ واقفٌ بَيْنَهُمْ، وَوجهُهُ أحمرُ، وَيداهُ تَتحرَّكانِ بسرعةٍ، وَلَا أحدَ يَفهمُ يديهِ.

قَالَ أحدُهُمْ: «فَتِّشُوهُ.» وَقَالَ آخرُ: «الشرطةُ.»

رَأَى العَمُّ حسنٌ ابنَ أخيهِ، فَنادَاهُ: «تَعالَ يَا طارقُ! أَنْتَ تَفهمُهُ. مَاذَا يَقولُ؟»

تَقدَّمَ طارقٌ، وَالحقيبةُ عَلَى ظَهْرِهِ أثقلُ مِنْ كيسِ ملحٍ.

نَظرَ إِلَى يَدَيْ بلالٍ. قَالَ بصوتٍ لَا يَعرفُهُ: «يَقولُ: لَمْ آخذْ شيئًا. يَقولُ: أَنَا فِي هَذَا السوقِ مُنْذُ ثلاثينَ سنةً. يَقولُ: فَتِّشُوا بيتِي.»

تَوقَّفَتْ يَدَا بلالٍ، وَنَظرَ فِي عَيْنَيْ طارقٍ، ثُمَّ قَالَ بيديهِ شيئًا صغيرًا.

«مَاذَا يَقولُ؟»

«يَقولُ: قُلْ لَهُمْ يَا بُنَيَّ.»

كَانَ طارقٌ يَستطيعُ أَنْ يَسكتَ. كَانَ يَستطيعُ أَنْ يُسقطَ المحفظةَ خلفَ الأكياسِ حِينَ لَا يَنظرُ أحدٌ، وَ«يَجدَهَا» بَعْدَ ساعةٍ، فَيَنجوَ بلالٌ وَلَا يَعرفَ أحدٌ شيئًا. فَكَّرَ فِي ذلكَ حقًّا. لكنَّ فمَهُ كَانَ مَا زَالَ يَحملُ كلامَ بلالٍ، فَلَمْ يَستطعْ.

فَتحَ الحقيبةَ، وَأَخرجَ المحفظةَ. خَرجَ صوتُهُ عاليًا أكثرَ مِمَّا أَرادَ: «وَجدْتُهَا أَنَا. أَمْسِ، تحتَ السُّمَّاقِ. أَخذْتُهَا إِلَى البيتِ وَلَمْ أُخبرْ أحدًا. العَمُّ بلالٌ لَا عَلاقةَ لَهُ.»

سَكتَ السوقُ. نَظرَ إِلَيْهِ عمُّهُ نظرةً لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ.

الْتفتَ طارقٌ إِلَى بلالٍ، وَقَالَ بيديهِ: أَنَا آسفٌ.

لَمْ يَردَّ بلالٌ. حَملَ كيسَهُ، وَأَدارَ ظَهْرَهُ، وَمَشَى.

مَدَّ الرجلُ ذُو البدلةِ يدَهُ مبتسمًا: «أَحسنْتَ يَا ولدُ. هاتِهَا. وَتَعالَ مَعِي إِلَى سيَّارتِي، عِنْدِي لكَ هديَّةٌ.»

اقتربَتْ يدُهُ، وَمَعَهَا رائحتُهُ: عطرٌ ثقيلٌ حلوٌ. وَلَمْ يَكنْ فِي المحفظةِ شيءٌ مِنْ هَذَا العطرِ.

ضَمَّ طارقٌ المحفظةَ إِلَى صدرِهِ، وَوقفَ قربَ عمِّهِ. سَألَ: «مَاذَا فِيهَا؟»

«مالٌ طبعًا!»

«وَمَاذَا أيضًا؟»

«بطاقاتِي.»

قَالَ طارقٌ: «لَيْسَ فِيهَا بطاقاتٌ.»

نَظرَ العَمُّ حسنٌ إِلَى الرجلِ، وَنَظرَ الناسُ. بَدأَ الرجلُ يَقولُ شيئًا عَنْ جيبٍ آخرَ، وَهُوَ يَتراجعُ. ثُمَّ لَمْ يَعدْ هُنَاكَ.


فِي الدُّكَّانِ سَألَهُ عمُّهُ بصوتٍ منخفضٍ: «كَمْ نَقصَ مِنْهَا؟»

«لَا شيءَ.»

«أَعرفُ. وَالليلةُ الَّتِي أَخَّرْتَهَا دَفعَ ثمنَهَا بلالٌ. وَأَنْتَ تَعرفُ.» ثُمَّ أَشارَ إِلَى المحفظةِ. «وَالآنَ، مَنْ صاحبُهَا؟»

قَرَّبَ طارقٌ المحفظةَ مِنْ أنفِهِ، وَأَغمضَ عينيهِ كَمَا فِي لعبتِهِمَا.

جلدٌ. عَرَقُ يدٍ. ثُمَّ، تحتَ ذلكَ، شيءٌ حارٌّ حلوٌ.

«قَرَنْفُلٌ.» شَمَّ ثانيةً. «لَا. لَيْسَ الحَبَّ الَّذِي نَبيعُهُ. هَذَا أَحَدُّ. زيتٌ.»

فَتحَ عمُّهُ دفترَ الحسابِ. زيتُ القَرَنْفُلِ لَا يَشتريهِ إِلَّا قليلونَ. ثلاثةُ أسماءٍ.

ذَهَبَا إِلَيْهِمْ معًا بَعْدَ الظُّهْرِ.

الأولَى امرأةٌ عجوزٌ تَخلطُ الدهونَ لآلامِ الظَّهْرِ. لَمْ تَفقدْ شيئًا، لكنَّهَا أَخذَتْ وقتًا طويلًا فِي شرحِ ظَهْرِهَا.

وَالثانِي صانعُ حَلْوَى. شَمَّ طارقٌ يديهِ وَهُوَ يُصافحُهُ: سكَّرٌ وَسمنٌ فَقَطْ. خَرجَا وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا قطعةُ حَلْوَى، فَأَوجعَتْ ضِرْسَ طارقٍ، وَلَمْ يَقلْ شيئًا.

وَالثالثُ الدكتورُ سليمٌ، طبيبُ أسنانٍ عجوزٌ، عيادتُهُ فِي آخرِ دَرَجٍ ضيِّقٍ فوقَ سوقِ النحَّاسينَ. كَانَتْ غرفةُ الانتظارِ مليئةً بأمَّهاتٍ وَأطفالٍ فِي ثيابٍ بسيطةٍ، وَكُلُّ شيءٍ فِيهَا يَفوحُ بالقَرَنْفُلِ.

خَرجَ إِلَيْهِمُ الطبيبُ بوجهٍ لَمْ يَنَمْ صاحبُهُ. سَألَهُ العَمُّ حسنٌ: «هَلْ فَقدْتَ شيئًا يَا دكتورُ؟»

جَلسَ الرجلُ عَلَى أقربِ كرسيٍّ. قَالَ: «إيجارَ العيادةِ. دُرْتُ السوقَ أَمْسِ بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَتِ الدكاكينُ، فَلَمْ أَجدْ مَنْ أَسألُهُ إِلَّا أهلَ المَقْهَى. جَلسَ مَعِي رجلٌ لطيفٌ ببدلةٍ رماديَّةٍ، وَسَألَنِي كَمْ كَانَ فِيهَا.»

نَظرَ العَمُّ حسنٌ إِلَى طارقٍ.

قَالَ طارقٌ: «وَمَاذَا فِيهَا غَيْرُ المالِ؟»

ابْتسمَ الطبيبُ ابتسامةً متعبةً. «ورقةٌ لَنْ تَفهمَهَا. 6، 14، 26. كُلُّ رقمٍ سِنٌّ، هِيَ أسنانُ ذلكَ اليومِ.»

أَخرجَ طارقٌ المحفظةَ.

عَدَّ الطبيبُ المالَ، وَظلَّ صامتًا قليلًا، ثُمَّ مَدَّ إِلَى طارقٍ ورقةً نقديَّةً كبيرةً. كَانَتْ تُساوِي شهرًا مِنْ أُجْرَتِهِ، وَحذاءً.

نَظرَ طارقٌ إِلَى الورقةِ. نَظرَ إِلَى عمِّهِ. نَظرَ عمُّهُ إِلَى السقفِ.

قَالَ طارقٌ، وَهُوَ يَعرفُ مَا يُكلِّفُهُ ذلكَ: «لَوْ أَعدْتُهَا أَمْسِ لَأَخذْتُهَا يَا دكتورُ.» ثُمَّ لَمسَ خدَّهُ. «لكنْ عِنْدِي ضِرْسٌ يُؤلمُنِي مُنْذُ شهرٍ. لَمْ أَقلْ لأمِّي، لِأَنَّ…»

لَمْ يُكملْ.

ضَحكَ الدكتورُ سليمٌ حَتَّى دَمَعَتْ عيناهُ، وَأَشارَ إِلَى الكرسيِّ الكبيرِ.

فِي طريقِ العودةِ قَالَ عمُّهُ، دُونَ أَنْ يَنظرَ إِلَيْهِ: «أُجْرَتُكَ تَزيدُ مِنَ الشهرِ القادمِ.»

«لِمَاذَا؟»

«لِأَنَّ أنفَكَ يَعملُ أكثرَ مِنْ يديكَ.»


فِي الصباحِ التالِي وَقفَ طارقٌ عِنْدَ بابِ السوقِ قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ الدكاكينُ، وَخَدُّهُ منتفخٌ. جَاءَ بلالٌ يَجرُّ عربتَهُ، فَمَرَّ بِهِ وَلَمْ يَنظرْ.

مَشَى طارقٌ خلفَهُ. حَملَ مَعَهُ الأكياسَ الصغيرةَ كُلَّ ذلكَ الصباحِ، وَلَمْ يَقلْ بيديهِ شيئًا، لِأَنَّهُ قَالَ مَا عِنْدَهُ.

عِنْدَ الظُّهْرِ جَلسَ بلالٌ عَلَى كيسٍ لِيَستريحَ، وَنَظرَ إِلَيْهِ أخيرًا. أَشارَ إِلَى خدِّهِ، وَرفعَ حاجبيهِ: سِنٌّ؟

هَزَّ طارقٌ رأسَهُ.

أَمسكَ بلالٌ بِكِلْتَا يديهِ حبلًا لَا وجودَ لَهُ، وَشَدَّ سِنًّا لَا وجودَ لَهَا، وَسقطَ إِلَى الخلفِ فوقَ الكيسِ، وَرجلاهُ فِي الهواءِ. ثُمَّ قامَ، وَرَبَتَ عَلَى كتفِ طارقٍ رَبْتَةً كَادَتْ تُوقعُهُ، وَعادَ إِلَى عربتِهِ.

فِي ذلكَ المساءِ قَالَ العَمُّ حسنٌ: «أَغمضْ عينيكَ.»

مَرَّ شيءٌ تحتَ أنفِهِ.

«قَرَنْفُلٌ.»

«هَذَا كَمُّونٌ يَا طارقُ.»

تَنهَّدَ طارقٌ، وَخَدُّهُ مَا زَالَ يَفوحُ. «كُلُّهُ قَرَنْفُلٌ يَا عمِّي. أسبوعًا كاملًا، كُلُّهُ قَرَنْفُلٌ.»