رَسَائِلُ جَدِّي الْقَدِيمَةُ
كُلَّ يومٍ، فِي الرابعةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، يَرفعُ جَدِّي رأسَهُ وَيَسألُ: «هَلْ جَاءَ البريدُ؟»
لَا يَأتِينَا بريدٌ. لَا أحدَ يَكتبُ لأحدٍ الآنَ.
جَاءَ جَدِّي لِيَعيشَ مَعَنَا فِي الربيعِ، بَعْدَ أَنْ نَسِيَ القِدْرَ عَلَى النارِ مرَّتينِ. أَخذَ غرفتِي، وَصِرْتُ أَنامُ مَعَ أختِي الصغيرةِ. يَعرفُ اسمَ كُلِّ شجرةِ زيتونٍ فِي قريتِهِ، وَلَا يَعرفُ دائمًا أَنِّي حفيدتُهُ. يُسَمِّينِي لُبْنَى.
سَألْتُ أمِّي: «مَنْ لُبْنَى؟»
قَالَتْ: «أختُهُ. مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ أُولَدَ.»
لَنْ أَكذبَ عَلَيْكُمْ: كُنْتُ أَكرهُ الساعةَ الرابعةَ. عَلَيَّ أَنْ أَجلسَ مَعَهُ حَتَّى تَعودَ أمِّي مِنْ عملِهَا. وَحِينَ أَقولُ لَهُ: «لَا بريدَ يَا جَدِّي»، يَقومُ إِلَى البابِ وَيَبحثُ عَنْ حذائِهِ. خَرجَ مرَّةً وَأَنَا فِي الحمَّامِ، فَأَعادَهُ بائعُ الخبزِ بَعْدَ ساعةٍ، وَهُوَ لَا يَعرفُ أَيْنَ نَسكنُ. يومَهَا صَرخَتْ أمِّي فِيَّ، ثُمَّ بَكَتْ، ثُمَّ اعتذرَتْ.
وَجَاءَتْ صديقتِي مرَّةً، فَسَألَهَا جَدِّي: «هَلْ أَنْتِ بنتُ الخيَّاطِ؟» فَضَحكَتْ. وَلَمْ أَدْعُهَا بَعْدَ ذلكَ.
يومًا، وَأَنَا أَبحثُ عَنْ ذلكَ الحذاءِ تحتَ السريرِ، وَجدْتُ علبةً معدنيَّةً صدئةً. فِيهَا رسائلُ مربوطةٌ بخيطٍ، أكثرُ مِنْ أربعينَ رسالةً. الورقُ أصفرُ، وَالخطُّ خطُّ ولدٍ صغيرٍ.
قَالَتْ أمِّي: «لَمْ أَعرفْ أَنَّهُ احتفظَ بِهَا. كَانَ فِي الرابعةَ عَشْرَةَ حِينَ نَزلَ مِنَ القريةِ إِلَى مدينةِ الميناءِ لِيَعملَ فِي مخبزٍ، وَبَقِيَ هُنَاكَ سِتَّ سنينَ. لَا بُدَّ أَنَّهُ وَجدَهَا بَعْدَ موتِ أمِّهِ. اقْرَئِيهَا لَهُ، لَعلَّهَا تُعجبُهُ.»
فِي الغدِ، فِي الرابعةِ، قَالَ: «هَلْ جَاءَ البريدُ؟»
وَقَبْلَ أَنْ يَقومَ فَتحْتُ أوَّلَ رسالةٍ، وَقرأْتُ:
«أمِّي العزيزةُ، أَنَا بخيرٍ وَلَا يَنقصُنِي شيءٌ. الطعامُ كثيرٌ، وَصاحبُ المخبزِ رجلٌ طيِّبٌ، وَأَنامُ عَلَى فراشٍ نظيفٍ. قُولِي لِلُبْنَى إِنَّ البحرَ كبيرٌ جدًّا. اكْتُبُوا لِي. ابنُكِ.»
جَلسَ جَدِّي. لَمْ يَبحثْ عَنْ حذائِهِ. قَالَ: «اقْرَئِي أخرَى.»
صَارَ هَذَا عملَنَا. كُلَّ يومٍ رسالةٌ أَوْ رسالتانِ. يَستمعُ كَأَنَّهَا عَنْ ولدٍ لَا يَعرفُهُ، وَيَهزُّ رأسَهُ.
كَبِرَ الولدُ فِي الرسائلِ. صَارَ يَعجنُ وحدَهُ، ثُمَّ صَارَ يَخبزُ لسفنٍ كاملةٍ، وَأَرسلَ إِلَى أمِّهِ نقودًا، ثُمَّ حذاءً لأختِهِ. وَكُلُّهَا تُشبهُ الأولَى: أَنَا بخيرٍ، الطعامُ كثيرٌ. وَفِي آخرِ كُلِّ واحدةٍ: اكْتُبُوا لِي.
ثُمَّ جَاءَ يومٌ قرأْتُ فِيهِ: «وَصاحبُ المخبزِ رجلٌ طيِّبٌ»، فَضَحكَ جَدِّي ضحكةً قصيرةً يابسةً، لَمْ أَسمعْهَا مِنْهُ مِنْ قَبْلُ. قَالَ بوضوحٍ غريبٍ: «كَانَ يَأكلُ أُجْرَتِي. ثلاثةَ أشهرٍ لَمْ يُعطِنِي قِرْشًا. وَالفراشُ؟ أكياسُ الطحينِ. كُنْتُ أَقومُ فِي الصباحِ أبيضَ مِثْلَ العجينِ.»
حَدَّقْتُ فِيهِ. «وَلِمَاذَا كتبْتَ هَذَا يَا جَدِّي؟»
«كَانَ جارُنَا يَقرأُ لأمِّي رسائلِي. كَانَتْ لَا تَقرأُ وَلَا تَكتبُ. مَاذَا أَكتبُ لَهَا؟ أَنَا جائعٌ؟ كَانَتْ سَتَمشِي إِلَيَّ عَلَى قدميهَا.»
ثُمَّ نَظرَ إِلَى النافذةِ، وَتَغيَّرَ وجهُهُ، كَمَا يَتغيَّرُ الضوءُ حِينَ تَمرُّ غيمةٌ.
«هَلْ جَاءَ البريدُ؟»
تلكَ الليلةَ فَتحْتُ العلبةَ، وَقلَّبْتُ كُلَّ مَا فِيهَا. رسائلُهُ فَقَطْ. وَلَا ورقةٌ واحدةٌ بخطِّ غيرِهِ.
لَمْ يَردَّ عَلَيْهِ أحدٌ. سِتُّ سنينَ، أربعونَ رسالةً، اكْتُبُوا لِي، وَلَمْ يَكتبْ لَهُ أحدٌ. أمُّهُ لَا تَكتبُ، وَلُبْنَى صغيرةٌ، وَالجارُ يَقرأُ وَيَمضِي.
وَفَهِمْتُ.
جَدِّي فِي الرابعةَ عَشْرَةَ. يَقفُ عِنْدَ بابِ مخبزٍ فِي مدينةٍ غريبةٍ، فِي الساعةِ الَّتِي يَمرُّ فِيهَا ساعِي البريدِ، وَيَنتظرُ.
فِي صباحِ الجمعةِ قُلْتُ لأمِّي: «أُريدُ أَنْ أَكتبَ لَهُ رسالةً.»
تَوقَّفَتْ يدُهَا فَوْقَ الخبزِ. قَالَتْ: «مِمَّنْ؟»
قُلْتُ: «مِنَّا. لَمْ يَكتبْ لَهُ أحدٌ، وَنَحْنُ نَعرفُ الكتابةَ.»
لَمْ تُجبْ. جَلسَتْ. مَدَدْتُ إِلَيْهَا الورقةَ الَّتِي كتبْتُهَا فِي الليلِ، فَقرأَتْ بصوتٍ عالٍ: «جَدِّي العزيزُ، نَحْنُ فخورونَ بكَ…»
ثُمَّ ضَحكَتْ، وَمسحَتْ عينيهَا بظَهْرِ يدِهَا. «العزيزُ؟ جدَّتِي عَرفْتُهَا وَأَنَا صغيرةٌ. كَانَتْ تُنادِيهِ: يَا عصفورِي. وَلَا تَقولُ فخورةٌ. تَقولُ: هَلْ تَأكلُ؟ اكْتُبِي لَهُ هَذَا، وَقُولِي إِنَّنَا نَتذكَّرُهُ.»
وَأَخذَتِ القلمَ.
جَلسْنَا إِلَى الظُّهْرِ. أمِّي تَتذكَّرُ، وَأَنَا أَكتبُ: الزيتونُ، وَشجرةُ التينِ عِنْدَ البئرِ، وَالعنزةُ الَّتِي تَأكلُ الغسيلَ. وَضعْنَا الورقةَ فِي ظرفٍ، وَكتبْتُ عَلَيْهِ اسمَهُ، وَوجدَتْ أمِّي طابعًا قديمًا فِي دُرْجِ أَبِي.
فِي الرابعةِ رَفعَ جَدِّي رأسَهُ. «هَلْ جَاءَ البريدُ؟»
قُلْتُ: «نَعَمْ يَا جَدِّي. جَاءَ.»
لَمْ يَتحرَّكْ لحظةً. ثُمَّ مَدَّ يديهِ الاثنتينِ، وَأَخذَ الظرفَ كَمَا يُؤْخَذُ طائرٌ. نَظرَ إِلَيْهِ طويلًا، وَأَعادَهُ إِلَيَّ.
«لَا أَرَى جيِّدًا. اقْرَئِي أَنْتِ يَا لُبْنَى.»
فَتحْتُهُ، وَقرأْتُ، وَأمِّي عِنْدَ البابِ، وَيدُهَا عَلَى فمِهَا:
«جَدِّي العزيزُ، هَلْ تَأكلُ؟ هَكَذَا كَانَتْ تَسألُكَ أمُّكَ، وَكَانَتْ تُنادِيكَ: يَا عصفورِي. تَقولُ أمِّي إِنَّكَ كُنْتَ تَصعدُ إِلَى أعلَى أغصانِ الزيتونِ، وَإِنَّ العنزةَ أَكلَتْ قميصَكَ القديمَ. رسائلُكَ كُلُّهَا عِنْدَنَا، وَقَدْ قرأْنَاهَا. نَحْنُ بخيرٍ، وَأَنْتَ مَعَنَا. رَنَا وَأمُّهَا.»
لَمْ يَقلْ شيئًا. أَخذَ الورقةَ، وَطَوَاهَا مرَّتينِ، وَوضعَهَا فِي جيبِ قميصِهِ، وَوضعَ يدَهُ فوقَ الجيبِ.
وَلِأَوَّلِ مرَّةٍ مُنْذُ جَاءَ إِلَيْنَا، نامَ فِي كرسيِّهِ قَبْلَ الخامسةِ.
فِي الغدِ، فِي الرابعةِ، رَفعَ رأسَهُ وَسَألَ: «هَلْ جَاءَ البريدُ؟»
كَانَتِ الورقةُ مَا زَالَتْ فِي جيبِهِ. لَمْ يَكنْ يَذكرُهَا.
نَظرْتُ إِلَى أمِّي، وَنَظرَتْ إِلَيَّ.
عِنْدَنَا الآنَ مكتبُ بريدٍ صغيرٌ فِي المطبخِ. أمِّي تَكتبُ يومَ الجمعةِ، وَخالِي يُرسلُ مَا يَتذكَّرُهُ مِنْ بعيدٍ، وَأختِي الصغيرةُ تَرسمُ العنزةَ. بعضُ الرسائلِ نُعيدُ قراءتَهَا، فَهِيَ لَهُ جديدةٌ كُلَّ مرَّةٍ.
وَقَدْ دَعَوْتُ صديقتِي. سَألَهَا جَدِّي: «هَلْ أَنْتِ بنتُ الخيَّاطِ؟» نَظرَتْ إِلَيَّ لحظةً، ثُمَّ قَالَتْ: «أَنَا صديقةُ رَنَا يَا عَمِّ. كَيْفَ حالُكَ؟»
مَا زِلْتُ أَنامُ مَعَ أختِي الصغيرةِ. وَمَا زَالَ جَدِّي يُسَمِّينِي لُبْنَى، وَأَنَا أُجيبُ.
مرَّةً واحدةً، فِي يومٍ مِنْ أيامِ الزيتونِ، نَظرَ إِلَيَّ طويلًا، وَقَالَ: «رَنَا. هَلْ أَكلْتِ؟» ثُمَّ نَظرَ إِلَى النافذةِ.
كُلَّ يومٍ، قَبْلَ الرابعةِ بقليلٍ، أَقفُ عِنْدَ البابِ وَفِي يدِي الظرفُ. يَرفعُ رأسَهُ.
أَنتظرُ السؤالَ.