الرِّسَالَةُ فِي الدُّرْجِ
مدرستُنَا مدرستانِ. بناءٌ واحدٌ، وَمقاعدُ واحدةٌ، وَبناتٌ يَتبدَّلْنَ عِنْدَ الظُّهْرِ: نَحْنُ نَخرجُ مِنَ البابِ، وَبناتُ الفترةِ المسائيَّةِ يَدخلْنَ مِنْهُ. لَا نَرَى مِنْهُنَّ إِلَّا ظهورًا وَحقائبَ.
مقعدِي الثالثُ عِنْدَ النافذةِ. فِي أوَّلِ السنةِ رَسمْتُ حصانًا عَلَى ورقةٍ، وَنَسِيتُهَا فِي الدُّرْجِ. وَفِي الغدِ وَجدْتُ تحتَهُ سطرًا بقلمٍ بنفسجيٍّ:
«حصانُكِ يَقفُ مِثْلَ طاولةٍ.»
كَتبْتُ تحتَهُ: «مَنْ طَلبَ رأيَكِ؟»
وَفِي الغدِ: «لَا أحدَ. لكنَّكِ تَركْتِهِ عِنْدِي. لِلحصانِ مفاصلُ، فَانْظُرِي إِلَى حصانٍ حقيقيٍّ مرَّةً.»
كَانَ يَجبُ أَنْ أَغضبَ. لكنَّنِي ضَحكْتُ، وَكتبْتُ: «أَنَا صاحبةُ المقعدِ فِي الصباحِ. نادِينِي صباحَ، وَأُنادِيكِ مساءَ. وَلَا أسماءَ حقيقيَّةً، فَهَكَذَا أجملُ.»
صَارَ الدُّرْجُ بريدَنَا.
«يَا مساءُ، عِنْدِي امتحانُ كسورٍ يومَ الأحدِ، وَلَا أَفهمُ شيئًا. نصفٌ زائدُ ربعٍ. لِمَاذَا لَا يَكونُ الجوابُ اثنينِ مِنْ ستَّةٍ؟ صباحْ.»
«يَا صباحُ، لَا تُفكِّرِي فِي أرقامٍ. فَكِّرِي فِي الطماطمِ. فِي كِفَّةِ الميزانِ نصفُ كيلُو، وَزِدْتِ ربعَ كيلُو. هَلْ صَارَ أقلَّ؟ النصفُ رُبعانِ. رُبعانِ وَربعٌ: ثلاثةُ أرباعٍ. حَوِّلِي الكبيرَ إِلَى قطعٍ بحجمِ الصغيرِ، ثُمَّ اجْمَعِي. مساءْ.»
«18 مِنْ 20! كَيْفَ تَحسبينَ هَكَذَا؟ أَنْتِ أسرعُ مِنْ معلِّمتِنَا! صباحْ.»
«عادةٌ. مساءْ.»
تَركْتُ لَهَا كتابًا أَحببْتُهُ، فَأَعادَتْهُ بَعْدَ أسبوعٍ وَقَدْ كتبَتْ فِي آخرِهِ: «النهايةُ ضعيفةٌ.» وَكَانَتْ عَلَى حقٍّ، وَهَذَا مَا أَغضبَنِي. وَتَركَتْ لِي حبَّةَ مشمشٍ مرَّةً، بِلَا كلمةٍ. وَكُنْتُ أَصلُ إِلَى المدرسةِ قَبْلَ الجميعِ لِأَفتحَ الدُّرْجَ.
سَألْتُهَا: «لِمَاذَا تَفوحُ أوراقُكِ بالنعناعِ؟»
كتبَتْ: «لِأَنَّ النعناعَ يَفوحُ.»
وَسَألَتْنِي: «كَيْفَ هُوَ البحرُ؟ قُلْتِ إِنَّكِ ذَهبْتِ.»
كتبْتُ لَهَا صفحتينِ عَنِ البحرِ. فَكتبَتْ: «شكرًا. الآنَ ذَهبْتُ أَنَا أيضًا.»
حَاولْتُ مرَّةً أَنْ أَعرفَهَا. بَقِيتُ عِنْدَ البابِ وقتَ التبديلِ، أَنظرُ إِلَى البناتِ الداخلاتِ، وَأَبحثُ عَنْ قلمٍ بنفسجيٍّ. ألفُ ظهرٍ وَألفُ حقيبةٍ. وَفِي الغدِ وَجدْتُ:
«لَا أسماءَ حقيقيَّةً. أَنْتِ الَّتِي قُلْتِ. وَرباطُ حذائِكِ كَانَ مفكوكًا.»
ثُمَّ كتبْتُ لَهَا، فِي يومٍ سيِّئٍ، هَذِهِ الرسالةَ. أَنقلُهَا كَمَا هِيَ، لِأَنِّي أَعرفُهَا حرفًا حرفًا:
«أَنَا غاضبةٌ اليومَ. فِي أوَّلِ شارعِنَا بسطةُ خضارٍ، تَقفُ عِنْدَهَا بنتٌ فِي عُمْرِنَا. لَا تَبتسمُ أبدًا، وَلَا تَقولُ صباحَ الخيرِ، وَتَرمِي الطماطمَ فِي الكيسِ رميًا. قُلْتُ لأمِّي: لِمَاذَا نَشترِي مِنْهَا؟ وجهُهَا يُفسدُ الطماطمَ! وَلَا أَظنُّهَا تَعرفُ القراءةَ أصلًا. صباحْ.»
مَرَّ يومانِ بِلَا جوابٍ. ثُمَّ:
«وجهُهَا يُفسدُ الطماطمَ. جملةٌ جيِّدةٌ. رُبَّمَا اسْتيقظَتْ قبلَكِ بثلاثِ ساعاتٍ، لَا أَدْرِي. حصانُكِ مَا زَالَ طاولةً. مساءْ.»
ضَحكْتُ. لَمْ أَنتبهْ إِلَى شيءٍ.
فِي الشتاءِ جَاءَتْ هَذِهِ:
«يَا صباحُ، قَدْ لَا أَجيءُ بَعْدَ هَذَا الشهرِ. تَعِبَتْ ركبةُ أَبِي، وَعملُهُ يَحتاجُ إِلَى مَنْ يَحملُ الصناديقَ فِي الفجرِ، وَإِلَى مَنْ يَقفُ مكانَهُ بَعْدَ الظُّهْرِ. لَا بأسَ. لَا تَبحثِي عَنِّي. مساءْ.»
قَرأْتُهَا ثلاثَ مرَّاتٍ. كتبْتُ: «لَا تَذهبِي!» وَكتبْتُ: «مَنْ أَنْتِ؟» فَلَمْ تَردَّ عَلَى هَذِهِ. وَذَهبْتُ إِلَى معلِّمتِي، فَقَالَتْ: «بناتُ المساءِ لَهُنَّ إدارةٌ غَيْرُ إدارتِنَا.»
يومَ الخميسِ أَرسلَتْنِي أمِّي لِأَشتريَ طماطمَ.
وَقفْتُ عِنْدَ البسطةِ أَنتظرُ دورِي. كَانَ رجلٌ يَجلسُ عَلَى كرسيٍّ خلفَ الصناديقِ، وَركبتُهُ مربوطةٌ. لَمْ أَرَهُ جالسًا مِنْ قَبْلُ. وَالبنتُ تَزنُ.
قَالَتْ لامرأةٍ دُونَ أَنْ تَرفعَ عينيهَا: «نصفٌ وَربعٌ. ثلاثةُ أرباعٍ.»
لَا أَعرفُ لِمَاذَا نَظرْتُ عندئذٍ إِلَى اللوحةِ. لوحةُ كرتونٍ صغيرةٌ، مَررْتُ بِهَا مئةَ مرَّةٍ وَلَمْ أَقرأْهَا: «طماطمْ 5. خيارْ 4. نعناعْ 1.» بقلمٍ بنفسجيٍّ. وَلِلميمِ ذيلٌ صغيرٌ مائلٌ أَعرفُهُ كَمَا أَعرفُ يدِي.
رَفعَتِ البنتُ رأسَهَا، وَنَظرَتْ إِلَيَّ.
لَمْ تَبتسمْ. لَمْ يَتغيَّرْ فِي وجهِهَا شيءٌ. سَألَتْ: «كَمْ؟»
لَا أَذكرُ مَاذَا قُلْتُ. رَمَتِ الطماطمَ فِي الكيسِ، وَأَعطَتْنِي الباقيَ، وَمشيْتُ إِلَى البيتِ، وَفِي رأسِي جملةٌ واحدةٌ: وَلَا أَظنُّهَا تَعرفُ القراءةَ أصلًا.
أَصعبُ رسالةٍ كتبْتُهَا كَانَتْ أقصرَهَا:
«أَنْتِ بنتُ البسطةِ. مُنْذُ مَتَى تَعرفينَ؟ هُدَى.»
«مُنْذُ الطماطمِ. كَمْ بنتًا فِي شارعِكِ يُفسدُ وجهُهَا الطماطمَ؟ نجلاءْ.»
«وَبَقِيتِ تَكتبينَ لِي؟ لِمَاذَا؟ هُدَى.»
تَأخَّرَ الجوابُ يومينِ.
«لِأَنَّكِ فِي الدُّرْجِ لَسْتِ كَمَا أَنْتِ عِنْدَ البسطةِ. أَردْتُ أَنْ أَعرفَ أَيَّتُهُمَا أَنْتِ. نجلاءْ.»
لَمْ أَكتبْ شيئًا. وَلَمْ أَنَمْ جيِّدًا. ذَهبْتُ إِلَى أمِّي، وَأَخبرْتُهَا بِكُلِّ شيءٍ، حَتَّى الجملةِ عَنِ القراءةِ. لَمْ تَقلْ لِي شيئًا لَا أَعرفُهُ. سَكتَتْ قليلًا، ثُمَّ قَالَتْ: «عشرُ سنينَ أَشترِي مِنْ هَذَا الرجلِ، وَلَا أَعرفُ اسمَ ابنتِهِ.» وَقامَتْ إِلَى الهاتفِ.
بَعْدَ يومينِ وَجدْتُ فِي الدُّرْجِ:
«حَدثَ شيءٌ غريبٌ. فِي الفجرِ جَاءَ إِلَى أَبِي شابٌّ طويلٌ يَقولُ إِنَّهُ أخوكِ، وَمَعَهُ جارانِ، وَقَالُوا إِنَّهُمْ سَيَحملونَ الصناديقَ حَتَّى تُشْفَى ركبتُهُ، وَإِنَّ أمَّكِ وَضعَتْ جدولًا. وَبَعْدَ الظُّهْرِ سَتَقفُ عمَّتِي. أَبِي غاضبٌ جدًّا. وَأخوكِ أَسقطَ صندوقَ طماطمَ كاملًا. نَحْنُ لَا نَطلبُ شيئًا مِنْ أحدٍ. نجلاءْ.»
فَكَّرْتُ طويلًا قَبْلَ أَنْ أَكتبَ:
«أَعرفُ. أَنْتِ لَمْ تَطلبِي. أَنَا الَّتِي أَطلبُ: عِنْدِي امتحانُ كسورٍ آخرُ بَعْدَ أسبوعينِ، وَلَا أحدَ يَشرحُ مِثْلَكِ. أَمَّا الصندوقُ فَمِنْ حسابِ أخِي. هُدَى.»
لَمْ يَأتِ جوابٌ. لكنَّ الورقةَ اختفَتْ.
وَفِي يومِ الامتحانِ وَجدْتُ فِي الدُّرْجِ سطرًا بقلمٍ بنفسجيٍّ: «ربعٌ زائدُ ثُمْنٍ: كَمْ ثُمْنًا؟» بِلَا توقيعٍ.
بَعْدَ ذلكَ بأيامٍ مَررْتُ بالبسطةِ فِي الصباحِ. كَانَتْ نجلاءُ هُنَاكَ، تَزنُ، وَعيناهَا متعبتانِ.
قُلْتُ: «صباحُ الخيرِ يَا نجلاءُ.»
لَمْ تَبتسمْ. رَمَتْ حبَّةَ طماطمَ فِي كيسِ امرأةٍ، ثُمَّ قَالَتْ دُونَ أَنْ تَرفعَ رأسَهَا:
«صباحْ.»
وَفِي صباحِ الغدِ، فِي الدُّرْجِ، كَانَ حصانٌ بقلمٍ بنفسجيٍّ. حصانٌ حقيقيٌّ، يَكادُ يَمشِي، لَهُ مفاصلُ فِي مكانِهَا. وَتحتَهُ سطرٌ واحدٌ:
«هَكَذَا يَا طاولةُ.»