مُبَارَاةُ الْحَيِّ
فِي شارعِنَا مخبزٌ واحدٌ، وَلِهَذَا فَنَحْنُ فريقانِ: «فوقَ المخبزِ» وَ«تحتَ المخبزِ». لَا يَذكرُ أحدٌ مَنْ بَدأَ هَذَا. أَنَا مِنْ فوقِ المخبزِ، وَهَذَا، كَمَا يَعلمُ الجميعُ، أفضلُ.
كُلَّ سنةٍ، فِي آخرِ أيامِ العطلةِ، نَلعبُ المباراةَ عَلَى الأرضِ الخاليةِ خلفَ المخبزِ. يَأخذُ الفائزُ شيئينِ: كأسَ الحيِّ، وَهِيَ إبريقٌ قديمٌ دَهنَتْهُ جدَّتِي بلونٍ ذهبيٍّ، وَالأرضَ نفسَهَا، كُلَّ يومِ جمعةٍ، طوالَ السنةِ التاليةِ. وَيَلعبُ الخاسرُ فِي الزقاقِ، بَيْنَ السيَّاراتِ وَالنوافذِ وَزوجةِ الحلَّاقِ.
قَبْلَ المباراةِ بأسبوعٍ سَقطْتُ عَنِ الدرَّاجةِ، وَكُسِرَتْ ذراعِي. لَنْ أَقولَ كَيْفَ.
جَلسْتُ عَلَى الرصيفِ أَنظرُ إِلَى الجبسِ، وَخالدٌ، قائدُ فريقِنَا وَصديقِي مُنْذُ وُلِدْنَا، يَكتبُ عَلَيْهِ اسمَهُ بخطٍّ كبيرٍ، كَأَنَّهُ يَملكُ ذراعِي.
وَلَمَّا لَمْ أَعدْ أَستطيعُ اللعبَ، خَطرَتْ لهالةَ فكرةٌ.
هالةُ حارسةُ مرمَى «تحتَ المخبزِ»، وَأصعبُ مَنْ فِي الشارعِ. قَالَتْ: «كُلَّ سنةٍ نَختلفُ عَلَى الأهدافِ حَتَّى يَخرجَ أَبُو عليٍّ الخبَّازُ وَيَطردَنَا. لِيَكنْ لَنَا حَكَمٌ هَذِهِ المرَّةَ. هَذَا لَا يَستطيعُ أَنْ يَلعبَ.»
قَالَ خالدٌ: «موافقٌ.» وَغمزَ لِي.
فَهِمْتُ الغمزةَ. كُلُّنَا فَهِمْنَا الغمزةَ. حَتَّى هالةُ فَهِمَتْهَا، لكنَّهَا قَالَتْ إِنَّهَا لَا تَخافُ حَكَمًا بيدٍ واحدةٍ.
أَعطانِي أَبِي صفَّارةً. لَبِسْتُ قميصًا أسودَ. دَخلْتُ الأرضَ كَأَنِّي رئيسُ دولةٍ.
المرمَى عِنْدَنَا حجرانِ. وَالحجرُ، كَمَا تَعلمونَ، لَيْسَ لَهُ طولٌ. فَالكرةُ الَّتِي تَمرُّ فوقَهُ، هَلْ هِيَ هدفٌ؟ هَذَا سؤالٌ لَمْ تَحلَّهُ البشريَّةُ بَعْدُ، وَقَدْ أَخَّرَ عشاءَ أجيالٍ كاملةٍ.
لِهَذَا جَمعْتُ الفريقينِ قَبْلَ البدايةِ، وَقُلْتُ بصوتِ رئيسِ الدولةِ: «مَا مَرَّ فوقَ الحجرِ بارتفاعِ الركبةِ فَهُوَ هدفٌ، وَمَا مَرَّ أعلَى فَلَيْسَ هدفًا. وَمَا مَرَّ خارجَهُ فَلَيْسَ هدفًا، وَلَوْ بشعرةٍ.»
قَالَتْ هالةُ: «اكْتُبْهَا.»
فَكتبْتُهَا عَلَى الجبسِ، تحتَ اسمِ خالدٍ.
خَرجَ أَبُو عليٍّ بثيابِ الطحينِ لِيَرَى، وَخرجَتِ النساءُ إِلَى الشرفاتِ، وَجلسَتْ جدَّتِي عَلَى كرسيٍّ فِي الظلِّ تَحرسُ الإبريقَ.
فِي الدقيقةِ العاشرةِ لَمسَ خالدٌ الكرةَ بيدِهِ. نَفخْتُ فِي الصفَّارةِ، فَضَحكَ وَقَالَ لِي بصوتٍ منخفضٍ: «أَحسنْتَ. هَكَذَا يُصدِّقونَ أَنَّكَ حَكَمٌ.» وَغمزَ مرَّةً ثانيةً.
لَعِبْنَا حَتَّى طالَتِ الظلالُ. سَجَّلَ خالدٌ الهدفَ الأوَّلَ بكعبِهِ، وَدارَ حولَ الأرضِ كَأَنَّهُ اخترعَ الكعبَ. ثُمَّ سَجَّلَ «تحتَ المخبزِ» هدفينِ فِي خمسِ دقائقَ، لِأَنَّ حارسَنَا كَانَ يَنظرُ إِلَى خالدٍ. ثُمَّ سَجَّلَ خالدٌ مرَّةً أخرَى، وَلَمْ يَدُرْ هَذِهِ المرَّةَ، فَقَدْ تَعِبَ. هدفانِ لِكُلِّ فريقٍ.
قَبْلَ النهايةِ بدقيقةٍ أَخذَ خالدٌ الكرةَ مِنْ وَسَطِ الأرضِ، وَمَرَّ بواحدٍ، وَمَرَّ بآخرَ، وَسَدَّدَ. طَارَتْ هالةُ إِلَى الجهةِ الخاطئةِ، وَمَرَّتِ الكرةُ قربَ الحجرِ.
صَرخَ الشارعُ كُلُّهُ.
رَكضَ خالدٌ وَقميصُهُ فوقَ رأسِهِ، وَجاءَ إِلَيَّ، وَعانقَنِي عَلَى ذراعِي المكسورةِ، فَرأَيْتُ نجومًا. «فَعلْنَاهَا! فَعلْنَاهَا!»
كُنْتُ واقفًا عِنْدَ الحجرِ تمامًا، لِأَنَّ الحَكَمَ يَقفُ حَيْثُ يَرَى. وَقَدْ رَأَيْتُ.
مَرَّتِ الكرةُ خارجَ الحجرِ بعرضِ كفٍّ.
لَمْ يَرَ ذلكَ أحدٌ غَيْرِي. حَتَّى هالةُ كَانَتْ عَلَى الأرضِ تَضربُ الترابَ بيدِهَا. كُلُّ مَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَفعلَهُ هُوَ أَلَّا أَفعلَ شيئًا. سنةٌ كاملةٌ مِنَ الجمعاتِ، وَالإبريقُ الذهبيُّ فِي بيتِنَا، وَخالدٌ يَصرخُ فِي أذنِي.
عَدَدْتُ إِلَى ثلاثةٍ. لَا أَعرفُ لِمَاذَا.
نَفخْتُ فِي الصفَّارةِ. لَمْ يَسمعْهَا أحدٌ. نَفخْتُ ثانيةً، حَتَّى آلَمَنِي رأسِي. الْتَفَتُوا.
قُلْتُ، وَصوتِي مِثْلُ صوتِ بابٍ قديمٍ: «لَا هدفَ. خارجَ الحجرِ.» وَرفعْتُ الجبسَ، حَيْثُ القاعدةُ مكتوبةٌ، كَأَنَّ هَذَا يُفيدُ.
أَعرفُ الآنَ مَا هُوَ الصمتُ. الصمتُ هُوَ أَنْ يَقفَ شارعٌ كاملٌ فِي أرضٍ خاليةٍ وَيَنظرَ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ فِي قميصٍ أسودَ.
قَالَ خالدٌ بصوتٍ منخفضٍ: «أَنْتَ مِنَّا.»
قُلْتُ: «خارجَ الحجرِ.»
قَالَ: «لَمْ يَرَ أحدٌ.»
قُلْتُ: «رَأَيْتُ أَنَا.»
نَظرَ إِلَيَّ كَأَنِّي غريبٌ جَاءَ يَسألُ عَنْ عنوانٍ.
جَاءَتْ هالةُ، وَنَظرَتْ إِلَى الحجرِ، ثُمَّ إِلَيَّ، وَلَمْ تَقلْ شيئًا.
أَكملْنَا اللعبَ. كَانَ فريقُنَا يَلعبُ بِلَا روحٍ. وَكَانَ عِنْدَهُمْ أنسٌ، أصغرُ لاعبٍ فِي الحيِّ، لَمْ يَلمسِ الكرةَ طولَ المباراةِ، لِأَنَّهُ يَهربُ مِنْهَا. وَفِي آخرِ لحظةٍ جَاءَتِ الكرةُ نحوَهُ، فَهربَ، فَضربَتْ ركبتَهُ، وَدخلَتْ بَيْنَ الحجرينِ. لَمْ يَختلفْ أحدٌ عَلَى هَذَا الهدفِ. فَتحَ أنسٌ عينيهِ، وَسَألَ: «مَاذَا حَدثَ؟»
صَفَّرْتُ النهايةَ، وَسَلَّمْتُ إبريقَ جدَّتِي إِلَى هالةَ بيدِي الوحيدةِ.
فِي تلكَ الليلةِ قَالَتْ جدَّتِي وَهِيَ تَضعُ العشاءَ: «سَمِعْتُ أَنَّكَ خَسَّرْتَ فريقَكَ.»
«خارجَ الحجرِ.»
«رَأَيْتَهَا؟»
«رَأَيْتُهَا.»
«كُلْ إِذَنْ.»
جَاءَتِ الجمعةُ الأولَى، فَلَعِبْنَا فِي الزقاقِ، وَكُسِرَتْ نافذةٌ، وَخرجَتْ زوجةُ الحلَّاقِ. وَوجدْتُ اسمَ خالدٍ عَلَى الجبسِ قَدْ غَطَّاهُ خَطٌّ أسودُ. وَبَقِيَتِ القاعدةُ تحتَهُ، بخطِّي، لَمْ يَلمسْهَا أحدٌ. لَمْ يُكلِّمْنِي خالدٌ أحدَ عشرَ يومًا، وَأَنَا أَعدُّ.
كُنْتُ أَجلسُ وَحدِي عَلَى الرصيفِ نفسِهِ، وَأَسألُ نفسِي: لَوْ عادَتْ تلكَ الدقيقةُ، مَاذَا أَفعلُ؟ وَلَنْ أَكذبَ عَلَيْكُمْ. لَمْ أَكنْ أَعرفُ الجوابَ كُلَّ يومٍ.
وَجاءَتْ هالةُ يومًا، وَوقفَتْ أمامِي. قَالَتْ: «لَا تَظنَّ أَنَّنَا مدينونَ لكَ بشيءٍ. الأرضُ لَنَا.»
قُلْتُ: «أَعرفُ.»
قَالَتْ: «جيِّدٌ.» ثُمَّ نَظرَتْ إِلَى قميصِي الأسودِ عَلَى حبلِ الغسيلِ، وَقَالَتْ: «لَا تَرمِ ذلكَ القميصَ.»
فِي اليومِ الثانيَ عشرَ جَاءَ خالدٌ وَالكرةُ تحتَ ذراعِهِ. وَقفَ أمامِي طويلًا.
قَالَ: «دَخلَتْ.»
قُلْتُ: «خَرجَتْ بعرضِ كفٍّ.»
قَالَ: «دَخلَتْ.» وَرَمَى إِلَيَّ الكرةَ.
فِي الربيعِ جَاءَ أولادُ شارعِ المحطَّةِ. هَؤُلَاءِ كبارٌ، وَعِنْدَهُمْ أرضٌ حقيقيَّةٌ، لَهَا مرميانِ مِنْ حديدٍ. قَالُوا: الْعَبُوا ضدَّنَا، فوقَ المخبزِ وَتحتَهُ، فريقًا واحدًا. فَإِنْ فُزْتُمْ لَعِبْتُمْ عَلَى أرضِنَا الصيفَ كُلَّهُ.
وَقفْنَا جميعًا عَلَى أرضِهِمْ، لَا نُصدِّقُ المرميينِ. قَالَ أطولُهُمْ: «وَمَنِ الحَكَمُ؟»
قَالَتْ هالةُ دُونَ أَنْ تَلتفتَ، وَهِيَ تَربطُ قُفَّازَهَا: «هَذَا.»
كَانَتْ ذراعِي قَدْ شُفِيَتْ. كُنْتُ أَستطيعُ أَنْ أَلعبَ. فَتحْتُ فمِي.
نَظرَ إِلَيَّ الولدُ الطويلُ مِنْ فوقُ إِلَى تحتُ. «هَذَا مِنْكُمْ. يَعنِي أَنَّهُ فِي صفِّكُمْ.»
سَكتَ الجميعُ لحظةً.
ثُمَّ قَالَ خالدٌ، وَهُوَ يَشدُّ رباطَ حذائِهِ، بحزنِ رجلٍ يَتذكَّرُ خسارةً قديمةً:
«للأسفِ، لَا.»
وَناولَنِي الصفَّارةَ.
حَتَّى اليومِ يَقولُ خالدٌ إِنَّهَا دَخلَتْ. وَحَتَّى اليومِ، حِينَ يَختلفُ مَعَ أخيهِ عَلَى شيءٍ، يَأتِي إِلَى بيتِنَا وَيُنادِينِي.