السَّفِينَةُ الْخَشَبِيَّةُ
فِي بيتِ دانةَ شيءٌ لَا يَعرفُ أحدٌ فائدتَهُ: قطعةُ خشبٍ بحجمِ الكفِّ، يَخرجُ مِنْ وَسَطِهَا خيطٌ طويلٌ فِيهِ عُقَدٌ كثيرةٌ، وَحولَ إحدَى العُقَدِ خيطٌ أحمرُ.
كَانَتْ لجدِّهَا الأكبرِ، وَقَدْ كَانَ رُبَّانًا قَبْلَ أَنْ تَعرفَ السفنُ المحرِّكاتِ.
كُلُّ مَا بَقِيَ مِنْ عِلْمِهِ جملةٌ تُرَدِّدُهَا جدَّتُهَا: «كَانَ أَبِي يَعَضُّ عَلَى عُقْدَةٍ بأسنانِهِ، وَيَمدُّ الخشبةَ أمامَ عينيهِ فِي الليلِ، وَيَنظرُ إِلَى نجمِ القطبِ، ثُمَّ يَقولُ لَنَا أَيْنَ نَحْنُ.»
أَخذَتْ دانةُ الخشبةَ إِلَى الشاطئِ القريبِ مِنْ بيتِهَا، مَعَ أبيهَا، ليالِيَ كثيرةً. عَضَّتْ عَلَى عُقْدَةٍ بَعْدَ عُقْدَةٍ. وَعِنْدَ العُقْدَةِ الحمراءِ، حِينَ مَدَّتِ الخيطَ حَتَّى اشتدَّ، وَوضعَتْ حافَّةَ الخشبةِ السفلَى عَلَى خَطِّ البحرِ، جَلسَ النجمُ عَلَى حافَّتِهَا العليَا تمامًا.
جَرَّبَتْ فِي الصيفِ وَفِي الشتاءِ، فَكَانَ النجمُ يَجلسُ هُنَاكَ كُلَّ مرَّةٍ.
أَخبرَتْ خالَهَا جاسمًا، فَضَحكَ وَقَالَ: «ذكيَّةٌ. وَلَكِنْ عِنْدَنَا اليومَ شاشاتٌ.»
جاسمٌ آخرُ مَنْ يَملكُ سفينةً خشبيَّةً فِي الميناءِ. اسمُهَا «الصابرةُ»، عُمْرُهَا أكبرُ مِنْ عُمْرِهِ، وَلَهَا محرِّكٌ، وَشراعٌ قديمٌ مطويٌّ لَا يَرفعُهُ أحدٌ. كَانَ أصحابُ القواربِ البيضاءِ يَضحكونَ حِينَ يَمرُّونَ بِهَا، وَيُسَمُّونَهَا جدَّةَ الميناءِ.
فِي ذلكَ الصيفِ ذَهبَتْ مَعَهُ وَمَعَ ابنِهِ ناصرٍ إِلَى جزيرةٍ قريبةٍ، لِيُعيدُوا «الصابرةَ» بَعْدَ إصلاحِهَا. رحلةُ نهارٍ واحدٍ. لَبِسَتْ سترةَ النجاةِ كَمَا أَمرَ خالُهَا، وَوضعَتِ الخشبةَ فِي جيبِهَا كعادتِهَا.
بَعْدَ الظُّهْرِ اسْوَدَّ الأفقُ.
ضَرَبَتْهُمُ العاصفةُ ساعتينِ. كَانَتِ الأمواجُ تَرفعُ السفينةَ ثُمَّ تَتركُهَا تَسقطُ، وَدانةُ مربوطةٌ بحبلٍ إِلَى الصارِي، كَمَا رَبطَهَا خالُهَا بيدِهِ. دَخلَ الماءُ غرفةَ المحرِّكِ، فَسَكتَ المحرِّكُ، وَانطفأَتِ الشاشةُ، وَصَمتَ جهازُ اللاسلكيِّ. وَانزلقَ صندوقٌ ثقيلٌ عَلَى يدِ جاسمٍ اليمنَى، فَلَفَّهَا بقماشٍ، وَلَمْ يَعدْ يُحَرِّكُ أصابعَهَا.
وَلَمَّا هَدأَتِ الريحُ كَانَ الليلُ قَدْ جَاءَ. لَا شاطئَ، لَا ضوءَ. ماءٌ أسودُ حولَهُمْ، وَسماءٌ صافيةٌ فوقَهُمْ.
بعيدًا فِي الشمالِ مَرَّتْ أضواءُ سفينةٍ كبيرةٍ. رَفعَ ناصرٌ المصباحَ وَلَوَّحَ بِهِ، وَصرخَ حَتَّى بُحَّ صوتُهُ. مَرَّتِ الأضواءُ، وَصَغُرَتْ، وَذَهبَتْ. لَمْ يَقلْ أحدٌ شيئًا بَعْدَ ذلكَ.
ثُمَّ قَالَ جاسمٌ، وَهُوَ يَنظرُ إِلَى البوصلةِ: «هَذِهِ سليمةٌ. تَقولُ لَنَا أَيْنَ الغربُ، وَميناؤُنَا فِي الغربِ. لكنَّهَا لَا تَقولُ أَيْنَ نَحْنُ.»
سَألَتْ دانةُ: «وَلِمَاذَا لَا نَذهبُ غربًا فَقَطْ؟»
«لِأَنَّ الشعابَ تَمتدُّ عَلَى طولِ الساحلِ كالسورِ، وَفِيهَا بابٌ واحدٌ أمامَ مينائِنَا. دَفَعَتْنَا العاصفةُ وَلَا أَدْرِي إِلَى أَيْنَ. إِذَا أَخطأْنَا البابَ فَتَحَتِ الشعابُ بطنَ السفينةِ.»
قَالَ ناصرٌ: «نَنتظرُ الصباحَ.»
قَالَ جاسمٌ: «التيَّارُ يَدفعُنَا نحوَهَا. قَدْ نَبلغُهَا قَبْلَ الصباحِ.» ثُمَّ نَظرَ إِلَى الشراعِ القديمِ. «ارْفَعْهُ يَا ناصرُ. وَلَكِنْ إِلَى أَيْنَ نَتَّجهُ؟ لَا أَدْرِي.»
أَخرجَتْ دانةُ الخشبةَ مِنْ جيبِهَا. كَانَتْ يدُهَا تَرتجفُ.
قَالَ ناصرٌ: «لعبةٌ؟ الآنَ؟»
لكنَّ جاسمًا حَدَّقَ فِيهَا طويلًا. قَالَ بصوتٍ غريبٍ: «الكمالُ. هَكَذَا كَانَ جَدِّي يُسَمِّيهَا.» ثُمَّ الْتفتَ إِلَيْهَا. «مَاذَا قُلْتِ لِي عَنِ العُقْدَةِ الحمراءِ؟»
قَالَتْ: «عِنْدَ شاطئِنَا يَجلسُ النجمُ عَلَى حافَّتِهَا تمامًا، إِذَا عَضَضْتُ عَلَى العُقْدَةِ الحمراءِ. كُلَّ مرَّةٍ.»
سَكتَ جاسمٌ لحظةً، ثُمَّ قَالَ: «إِذَنْ أَنْتِ الوحيدةُ عَلَى هَذِهِ السفينةِ الَّتِي تَعرفُ أَيْنَ بيتُنَا. انْظُرِي.»
لَمْ يَكنِ الأمرُ كَمَا عَلَى الشاطئِ. كَانَتِ السفينةُ تَميلُ وَتَرتفعُ، وَخَطُّ البحرِ يَصعدُ وَيَنزلُ فِي ضوءِ القمرِ. وَقفَتْ عِنْدَ الصارِي، وَأَمسكَ ناصرٌ بسترتِهَا مِنَ الخلفِ لِتَثبتَ.
عَضَّتْ عَلَى العُقْدَةِ الحمراءِ. مَدَّتْ ذراعَهَا. انْتظرَتْ حَتَّى اسْتقامَتِ السفينةُ لحظةً.
كَانَ النجمُ فوقَ حافَّةِ الخشبةِ، بَيْنَهُمَا عَرْضُ إصبعٍ.
قَالَتْ: «النجمُ أعلَى مِنَ الحافَّةِ.»
قَالَ جاسمٌ: «كُلَّمَا ذَهبْتَ شمالًا عَلَا النجمُ. إِذَنْ نَحْنُ شمالَ الميناءِ. نَتَّجهُ جنوبًا حَتَّى يَنزلَ إِلَى الحافَّةِ، لَا أكثرَ. ثُمَّ غربًا، وَالنجمُ عَلَى يمينِنَا.»
أَمسكَ الدَّفَّةَ بيدِهِ اليسرَى، وَشَدَّ ناصرٌ الشراعَ. امْتلأَ القماشُ القديمُ بريحِ الشمالِ، وَتَحرَّكَتِ «الصابرةُ» بصوتٍ لَمْ تَسمعْهُ دانةُ مِنْ قَبْلُ: خشبٌ يَتنفَّسُ وَماءٌ يَمرُّ، بِلَا محرِّكٍ.
قَالَ جاسمٌ، كَأَنَّهُ يُكلِّمُ السفينةَ: «كُنْتِ تَنتظرينَ هَذَا مُنْذُ أربعينَ سنةً.»
كُلَّ نصفِ ساعةٍ كَانَتْ تَقيسُ. وَفِي كُلِّ مرَّةٍ كَانَ النجمُ أقربَ قليلًا. آلَمَهَا فَكُّهَا، وَتَعِبَتْ ذراعُهَا، وَصَارَ طعمُ الخيطِ فِي فمِهَا طعمَ البحرِ.
بَعْدَ منتصفِ الليلِ قَالَتْ: «عَلَى الحافَّةِ.» ثُمَّ جَاءَتْ موجةٌ، فَقَاسَتْ ثانيةً وَقَالَتْ: «لَا، تحتَهَا.» وَأَخذَ ناصرٌ الخشبةَ وَجَرَّبَ، فَقَالَ: «فوقَهَا!»
صَرخَ: «هَذِهِ لعبةٌ يَا أَبِي! كُلَّ مرَّةٍ جوابٌ!»
قَالَ جاسمٌ بهدوءٍ: «مَنْ جَرَّبَهَا عَلَى الشاطئِ ليالِيَ كثيرةً؟»
أَعادَ ناصرٌ الخشبةَ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَقلْ شيئًا.
أَغمضَتْ دانةُ عينيهَا لحظةً. السفينةُ تَميلُ، فَكُلُّ قياسٍ وحدَهُ قَدْ يَكذبُ. قَاسَتْ خمسَ مرَّاتٍ، تَنتظرُ قَبْلَ كُلِّ واحدةٍ أَنْ تَهدأَ السفينةُ. مرَّتينِ فوقَ الحافَّةِ، وَمرَّتينِ تحتَهَا، وَمرَّةً عَلَيْهَا.
قَالَتْ: «هُنَا. نَحْنُ عَلَيْهَا.»
لَمْ تَكنْ متأكِّدةً تمامًا، وَلَمْ تَقلْ ذلكَ.
أَدارَ جاسمٌ الدَّفَّةَ، فَصَارَتِ السفينةُ تَتَّجهُ غربًا، وَالنجمُ عَلَى يمينِهَا.
قَبْلَ الفجرِ سَمِعُوا الشعابَ قَبْلَ أَنْ يَرَوْهَا: صوتٌ طويلٌ، كَأَنَّ أحدًا يَتنفَّسُ فِي نومِهِ.
أَنزلَ ناصرٌ الشراعَ وَأَلقَى المرساةَ، وَجَلسَ الثلاثةُ صامتينَ يَنتظرونَ الضوءَ. لَمْ يَقلْ أحدٌ مَا كَانَ يُفكِّرُ فِيهِ.
جَاءَ الضوءُ رماديًّا، ثُمَّ ورديًّا. إِلَى اليمينِ خَطٌّ أبيضُ مِنَ الموجِ المتكسِّرِ، وَإِلَى اليسارِ خَطٌّ أبيضُ. وَبَيْنَهُمَا، إِلَى اليمينِ قليلًا، ماءٌ داكنٌ هادئٌ بعرضِ سفينتينِ أَوْ ثلاثٍ.
وَوراءَهُ، صغيرًا جدًّا، خَزَّانُ الماءِ الأبيضُ الَّذِي تَرَاهُ دانةُ مِنْ نافذةِ غرفتِهَا.
لَمْ يَضحكْ أحدٌ. خَافُوا أَنْ يَضحكُوا.
رَفعَ ناصرٌ المرساةَ وَالشراعَ، وَعَبَرَتِ «الصابرةُ» البابَ بطيئةً. وَقَبْلَ الرصيفِ لَقِيَهُمْ قاربُ صيدٍ كَانَ يَبحثُ عَنْهُمْ مُنْذُ الليلِ، وَفِيهِ أبوهَا، يَقفُ وَلَا يَجلسُ.
عَلَى الرصيفِ كَانَتْ أمُّهَا. لَمْ تَقلْ شيئًا حَتَّى ضَمَّتْهَا، ثُمَّ قَالَتْ أشياءَ كثيرةً.
وَكَانَ هُنَاكَ رجلٌ عجوزٌ، العَمُّ راشدٌ، آخرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ رَبابنةِ الأشرعةِ فِي الميناءِ. نَظرَ إِلَى الخشبةِ فِي يدِهَا، وَمَدَّ إِلَيْهَا يدًا تَرتجفُ، فَأَعطَتْهُ إيَّاهَا. قَلَّبَهَا، وَأَمسكَ العُقْدَةَ الحمراءَ بإصبعينِ، وَضَحكَ بِلَا صوتٍ.
قَالَ: «رَبطَ جدُّكِ الأكبرُ هَذَا الخيطَ أمامِي. كُنْتُ فِي مِثْلِ عُمْرِكِ.»
بَعْدَ ثلاثةِ أيامٍ جَاءَ جاسمٌ إِلَى بيتِهِمْ عِنْدَ المغربِ، وَيدُهُ مربوطةٌ. جَلسَ أمامَ دانةَ، وَقَالَ: «أَحضرِي الكمالَ، وَعَلِّمِينِي.»
ظَنَّتْ أَنَّهُ يَمزحُ. لَمْ يَكنْ يَمزحُ.
ذَهَبَا إِلَى الشاطئِ بَعْدَ غروبِ الشمسِ. قَالَتْ: «عَضَّ عَلَى العُقْدَةِ.»
عَضَّ، وَتَغيَّرَ وجهُهُ. قَالَ مِنْ بَيْنِ أسنانِهِ: «طعمُهَا مالحٌ.»
«كُلُّ شيءٍ هُنَا طعمُهُ مالحٌ. مُدَّ ذراعَكَ. لَا، أبعدَ.»
مَدَّ ذراعَهُ اليسرَى، وَأَغمضَ عينًا، وَبَحثَ عَنِ النجمِ طويلًا. ثُمَّ سَألَ: «وَالجزيرةُ؟ أَيُّ عُقْدَةٍ هِيَ؟»
قَالَتْ دانةُ: «لَا أَعرفُ بَعْدُ.» وَنَظرَتْ إِلَى البحرِ المظلمِ. «فِي الرحلةِ القادمةِ نَقيسُ هُنَاكَ، وَنَربطُ خيطًا أزرقَ.»