مَرْصَدٌ فَوْقَ السَّطْحِ
تَسكنُ نُهَى فِي الطابقِ الأوَّلِ مِنْ بنايةٍ قديمةٍ لَا مصعدَ فِيهَا، وَتَتحرَّكُ عَلَى كرسيٍّ بعجلاتٍ. وَلِهَذَا لَمْ تَرَ سطحَ بنايتِهَا يومًا، مَعَ أَنَّ لَهَا فوقَهُ مرصدًا.
المرصدُ صندوقٌ مِنْ خشبٍ، وَمنظارٌ صَنعَتْهُ مِنْ أنبوبينِ وَعدستينِ، وَدفترٌ واحدٌ.
تَقولُ نُهَى لصديقِهَا مازنٍ، جارِهَا فِي الطابقِ الخامسِ: «الليلةَ انْظرْ إِلَى النَّسْرِ الواقعِ.» فَيَصعدُ مَعَ أبيهِ، وَيَنظرُ، ثُمَّ يَنزلُ وَيَصفُ لَهَا مَا رَأَى، وَتَكتبُ هِيَ.
لَمْ يَكنْ فِي أوَّلِ الأمرِ يُحسنُ الوصفَ. تَسألُهُ: «كَيْفَ كَانَ؟» فَيَقولُ: «نقطةٌ.» «مَا لونُهَا؟» «لونُ نقطةٍ.»
ثُمَّ عَلَّمَتْهُ. صَارَ يَقولُ: «أزرقُ مِثْلَ لهبِ الموقدِ، وَيَرتجفُ قليلًا عِنْدَ الأفقِ.» وَحَكَتْ لَهُ أَنَّ كثيرًا مِنْ نجومِ السماءِ أسماؤُهَا عربيَّةٌ فِي كُتُبِ العالمِ كُلِّهِ: الدَّبَرَانُ، وَالطائرُ، وَفَمُ الحوتِ.
كَانَ الجيرانُ يَعرضونَ أَنْ يَحملُوهَا إِلَى السطحِ، وَيَقولونَ وَهُمْ يَنزلونَ: «مسكينةٌ.» وَكَانَتْ تَردُّ بأدبٍ: «لَا، شكرًا.» لَا تُحبُّ أَنْ تُحْمَلَ كَكيسِ طحينٍ، وَتَكرهُ تلكَ الكلمةَ أكثرَ.
وَفِي الدفترِ صفحةٌ عَلَيْهَا دائرةٌ حمراءُ: كسوفٌ جزئيٌّ للشمسِ، يومَ الثلاثاءِ، مِنَ التاسعةِ صباحًا إِلَى الحاديةَ عَشْرَةَ.
انْتظرَتْهُ نُهَى سنتينِ. لكنَّ نافذتَهَا تُطِلُّ عَلَى المَنْوَرِ، الفراغِ الضيِّقِ وَسَطَ البنايةِ، وَلَا شمسَ هُنَاكَ.
قَالَ مازنٌ: «سَأُصَوِّرُهُ لكِ.»
قَالَتْ: «لَا أُريدُ صورةً.»
بَعْدَ أيامٍ كَانَتْ فِي غرفةِ أمِّهَا، الَّتِي تُطِلُّ عَلَى الشارعِ، حِينَ رَأَتْ شيئًا رَأَتْهُ ألفَ مرَّةٍ دُونَ أَنْ تَنتبهَ. عَلَى الطاولةِ مرآةٌ مربَّعةٌ صغيرةٌ، تَرمِي عَلَى الجدارِ البعيدِ بقعةً مِنْ ضوءِ الشمسِ.
كَانَتِ البقعةُ مستديرةً.
حَدَّقَتْ فِيهَا. المرآةُ مربَّعةٌ. لِمَاذَا لَيْسَتِ البقعةُ مربَّعةً؟
قَرَّبَتِ المرآةَ مِنَ الجدارِ، فَصَارَتِ البقعةُ مربَّعةً. أَبعدَتْهَا، فَاستدارَتْ.
قَضَتْ ذلكَ المساءَ مَعَ الكُتُبِ. فَلَمَّا جَاءَ مازنٌ قَالَتْ لَهُ وَعيناهَا تَلمعانِ: «البقعةُ البعيدةُ لَيْسَتْ صورةَ المرآةِ. إِنَّهَا صورةُ الشمسِ نفسِهَا. وَيومَ الثلاثاءِ، حِينَ يَقضمُ القمرُ الشمسَ، سَتُصبحُ البقعةُ مقضومةً.»
فَهِمَ مازنٌ بَعْدَ لحظةٍ، وَنَظرَ إِلَى النافذةِ، ثُمَّ إِلَى السقفِ.
«مرآةٌ عَلَى السطحِ؟ تَرمِي الشمسَ فِي المنورِ، إِلَى غرفتِكِ؟»
«عَلَى ملاءةٍ بيضاءَ، فِي غرفةٍ مظلمةٍ. غَطِّ المرآةَ بورقةٍ فِيهَا ثقبٌ بحجمِ قطعةِ نقودٍ، لِتُصبحَ البقعةُ أوضحَ. وَأبوكَ مَعَكَ دائمًا، وَالسورُ عالٍ، فَلَا تَقفْ عَلَيْهِ. وَلَا تَنظرْ إِلَى الشمسِ، وَلَا فِي المرآةِ، وَلَا لحظةً واحدةً. وَلَا تُوَجِّهْهَا إِلَى وجهِ أحدٍ.»
اسْتغرقَتِ التجربةُ الأولَى ساعةً. كَانَتِ البقعةُ تَدورُ عَلَى جدرانِ المنورِ كعصفورٍ ضائعٍ، وَنُهَى تَصرخُ مِنْ نافذتِهَا: «أسفلَ! يسارًا!» وَصوتُهَا يَضيعُ قَبْلَ أَنْ يَبلغَ السطحَ.
وَعَصْرَ ذلكَ اليومِ دَخلَتِ البقعةُ مطبخَ السيِّدةِ سعادَ، فِي الطابقِ الثالثِ، وَمَشَتْ عَلَى صحونِهَا.
كَانَتِ السيِّدةُ سعادُ مديرةَ مدرسةٍ ثلاثينَ سنةً، وَهِيَ الآنَ رئيسةُ لجنةِ البنايةِ، وَلَمْ يَرَهَا أحدٌ تَضحكُ. فِي المساءِ صَارَ مفتاحُ السطحِ فِي جيبِهَا.
ثُمَّ نَزلَتْ إِلَى الطابقِ الأوَّلِ لِتَقولَ رأيَهَا. وَقفَتْ فِي غرفةِ نُهَى المظلمةِ، تَنظرُ إِلَى الملاءةِ عَلَى الجدارِ.
«مَا هَذَا؟ وَلِمَاذَا يَدخلُ مطبخِي ضوءٌ يَلعبُ بِهِ الأولادُ؟»
اعْتذرَتْ نُهَى عَنِ المطبخِ، ثُمَّ شَرحَتْ: الكسوفَ، وَالمرآةَ، وَالبقعةَ.
قَالَتِ السيِّدةُ سعادُ: «فِي البنايةِ أربعةُ رجالٍ أقوياءَ. لِمَ لَا يَحملونَكِ إِلَى السطحِ يومَ الكسوفِ؟»
«لِأَنِّي لَا أُريدُ أَنْ أُحْمَلَ.»
نَظرَتْ إِلَيْهَا السيِّدةُ سعادُ طويلًا. كَانَتْ، فِي السبعينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَصعدُ ثلاثةَ طوابقَ بأكياسِهَا كُلَّ يومٍ، وَتَطردُ مَنْ يَعرضُ أَنْ يُساعدَهَا.
لَمْ تَقلْ «مسكينةٌ». قَالَتْ: «فَهِمْتُ.» وَخرجَتْ.
فِي الصباحِ كَانَ المفتاحُ عِنْدَ بابِ مازنٍ، وَمَعَهُ ورقةٌ بخطٍّ مستقيمٍ: «الثلاثاءَ فَقَطْ. وَابْتعدُوا عَنْ مطبخِي.»
يومَ الثلاثاءِ ثَبَّتَ مازنٌ وَأبوهُ المرآةَ عَلَى لوحٍ، بقطعةٍ مِنَ الصلصالِ.
الشمسُ تَتحرَّكُ، فَتَمشِي البقعةُ عَلَى الملاءةِ شبرًا كُلَّ دقيقتينِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا مِنْ جديدٍ. صَاحَتْ نُهَى: «أعلَى!» فَلَمْ يَصلْ صوتُهَا.
ثُمَّ انفتحَتْ نافذةٌ فِي الطابقِ الثالثِ، وَخَرجَ مِنْهَا صوتٌ حَكَمَ مدرسةً ثلاثينَ سنةً: «أعلَى يَا مازنُ!»
«يسارًا!» صَاحَتْ نُهَى.
«يسارًا!» صَاحَتِ السيِّدةُ سعادُ.
وَانفتحَتْ نوافذُ أخرَى، وَصَارَتِ الكلمةُ تَصعدُ مِنْ طابقٍ إِلَى طابقٍ.
عِنْدَ 9:17 ظَهرَتْ فِي طرفِ البقعةِ قضمةٌ صغيرةٌ، كَأَنَّ أحدًا أَكلَ مِنْ قرصِ خبزٍ.
حَبسَتْ نُهَى أنفاسَهَا، وَكتبَتِ الوقتَ فِي الدفترِ بيدٍ تَرتجفُ. ثُمَّ صَرخَتْ صرخةً لَمْ تَحتجْ إِلَى مَنْ يَنقلُهَا.
نَزلَ الجيرانُ اثنينِ اثنينِ لِيَرَوْا. وَقَفُوا فِي غرفتِهَا المظلمةِ يَهمسونَ، وَيَسألونَهَا: «مَا هَذَا؟ وَمَتَى يَنتهِي؟» وَهِيَ تُجيبُ. لَمْ يَقلْ أحدٌ تلكَ الكلمةَ.
عِنْدَ 10:05 بَهتَتِ البقعةُ فجأةً، ثُمَّ ذَابَتْ. لَمْ يَبقَ عَلَى الملاءةِ شيءٌ. وَجاءَ صوتٌ مِنْ فوقُ: «غيمةٌ!»
قَالَ جارٌ: «انتهَى الأمرُ.»
لَمْ تَقلْ نُهَى شيئًا. كَتبَتْ فِي الدفترِ: «10:05، غيمٌ.» ثُمَّ انتظرَتْ وَالقلمُ فِي يدِهَا. ثلاثَ دقائقَ. أربعَ دقائقَ. وَعادَتِ البقعةُ، باهتةً ثُمَّ واضحةً، وَقَدْ صَارَتِ القضمةُ أكبرَ مِنْ نصفِ القرصِ.
ثُمَّ جَاءَ مِنْ فوقُ صوتُ مازنٍ مبحوحًا، تَنقلُهُ النوافذُ: «كَيْفَ تَبدُو؟ أَبِي يَقولُ لَا نَنظرُ! كَيْفَ تَبدُو؟»
تَوقَّفَ قلمُهَا.
فَهِمَتْ نُهَى شيئًا لَمْ تُفكِّرْ فِيهِ. الَّذِي عَلَى السطحِ لَا يَستطيعُ أَنْ يَنظرَ إِلَى الشمسِ. الكسوفُ كُلُّهُ هُنَا، فِي هَذِهِ الغرفةِ، فِي الطابقِ الأوَّلِ. وَمازنٌ، الَّذِي نَظرَ عَنْهَا سنتينِ، لَا يَرَى شيئًا.
اقتربَتْ مِنَ النافذةِ، وَرفعَتْ صوتَهَا كَمَا لَمْ تَرفعْهُ مِنْ قَبْلُ: «إِنَّهَا مِثْلُ شريحةِ بطِّيخٍ! المأكولُ أكبرُ مِنَ الباقِي!»
وَسَمِعَتِ السيِّدةَ سعادَ تَنقلُ بصوتِ المديرةِ: «شريحةُ بطِّيخٍ يَا مازنُ!»
ثُمَّ جَاءَ الصوتُ المبحوحُ: «مَا لونُهَا؟»
ضَحكَتْ نُهَى حَتَّى كَادَتْ تَبكِي، وَصرخَتْ: «لونُ نقطةٍ!» وَلَمْ يَفهمْ أحدٌ فِي البنايةِ كُلِّهَا لِمَاذَا ضَحكَ مازنٌ فوقَ السطحِ.
ثُمَّ صَاحَتْ: «لِيُمسكْ أبوكَ المرآةَ! انْزلْ!»
سَمِعُوا خطواتِهِ عَلَى خمسةِ طوابقَ. وَقفَ لاهثًا أمامَ الملاءةِ فِي الظلامِ، وَنَظرَ طويلًا.
قَالَ: «صَدَقْتِ. شريحةُ بطِّيخٍ.»
بَعْدَ أَنْ عادَتِ البقعةُ قرصًا كاملًا وَخرجَ الناسُ، بَقِيَتِ السيِّدةُ سعادُ. نَظرَتْ إِلَى الدفترِ.
«وَالمرصدُ، كَيْفَ هُوَ؟»
قَالَتْ نُهَى: «لَا أَعرفُ. يَقولونَ صندوقٌ وَمنظارٌ.»
«مديرةٌ لَا تَعرفُ مدرستَهَا؟» ثُمَّ قَالَتْ: «الليلةَ تُفتِّشينَ مرصدَكِ. أربعةُ رجالٍ وَكرسيُّكِ. أَنْتِ تَقولينَ مَتَى يَرفعونَ وَمَتَى يَقفونَ. هَذَا لَيْسَ حَمْلًا. هَذَا تفتيشٌ.»
فَكَّرَتْ نُهَى طويلًا، ثُمَّ قَالَتْ: «وَتلكَ الكلمةُ؟»
«مَنْ قَالَهَا فَأَنَا أُحاسبُهُ.»
فِي تلكَ الليلةِ صَعِدَتْ نُهَى خمسةَ طوابقَ، أَوَّلَ مرَّةٍ فِي حياتِهَا، وَهِيَ تُصدرُ الأوامرَ: «قِفُوا. ببطءٍ عِنْدَ المنعطفِ.» وَالسيِّدةُ سعادُ خلفَهَا تَحملُ الدفترَ.
عَلَى السطحِ نَظرَتْ نُهَى إِلَى الصندوقِ، ثُمَّ إِلَى مازنٍ.
«هَذَا هُوَ؟ كُنْتُ أَظنُّهُ أكبرَ.»
«أَنْتِ لَمْ تَسأَلِي.»
ثُمَّ رَفعَتْ رأسَهَا، وَسَكتَتْ وقتًا طويلًا، وَلَمْ يَقطعْهُ عَلَيْهَا أحدٌ. لَا قمرَ فِي تلكَ الليلةِ، فَقَدْ كَانَ مشغولًا فِي الصباحِ.
فَتحَتِ الدفترَ عَلَى ركبتيهَا، وَكتبَتْ تحتَ التاريخِ:
«زَارَتِ المديرةُ المرصدَ. الصندوقُ صغيرٌ. السماءُ كبيرةٌ.»