بِئْرُ الْقَافِلَةِ
كَانَ سالمٌ فِي الثانيةَ عَشْرَةَ حِينَ خَرجَ أَوَّلَ مرَّةٍ مَعَ القافلةِ: عشرونَ جَمَلًا تَحملُ التمرَ وَالقماشَ، وَأَحَدَ عَشَرَ رجلًا، وَدليلٌ عجوزٌ اسمُهُ عَوَّادٌ.
كَانَ عملُ سالمٍ سهلًا: أَنْ يَقودَ جَمَلَ الدليلِ، وَأَنْ يُجيبَ عَنْ أسئلتِهِ.
وَكَانَتِ الأسئلةُ لَا تَنتهِي.
«مَا لونُ الرملِ أمامَنَا يَا سالمُ؟»
«أصفرُ يَميلُ إِلَى الحُمْرَةِ.»
«وَأَيْنَ ظِلُّ الجبلِ؟»
«عَنْ يسارِنَا، وَهُوَ طويلٌ.»
«وَمَاذَا فَوْقَ التَّلِّ؟»
«حجرٌ أبيضُ، وَشجرةٌ صغيرةٌ يابسةٌ.»
ظَنَّ سالمٌ أَنَّهَا دروسٌ، فَفَرِحَ بِهَا، وَصَارَ يَنظرُ إِلَى كُلِّ شيءٍ بعنايةٍ لِيُجيبَ جيِّدًا.
ثُمَّ جَاءَ صباحٌ مَدَّ فِيهِ عَوَّادٌ يدَهُ لِيَأخذَ قِرْبَةَ الماءِ، فَأَمسكَ الهواءَ. كَانَتِ القِرْبَةُ قريبةً مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَرَاهَا.
نَظرَ سالمٌ إِلَى عينيهِ عَنْ قُرْبٍ. كَانَتَا بلونِ الحليبِ المخلوطِ بالماءِ.
قَالَ هَمْسًا: «يَا عَمِّ، أَنْتَ لَا تَرَى.»
سَكتَ العجوزُ طويلًا، ثُمَّ قَالَ: «أَرَى النورَ وَالظِّلَّ. وَأَنْتَ تَرَى الباقيَ.»
«هَلْ يَعرفونَ؟»
«لَوْ عَرَفُوا مَا اسْتَأجرَنِي أحدٌ بَعْدَ اليومِ. عِنْدِي بناتٌ يَنتظرْنَ مَا أَعودُ بِهِ. الطريقُ فِي رأسِي يَا بُنَيَّ، وَأَنْتَ عينايَ. احْفَظْ سِرِّي.»
فَحَفِظَ سالمٌ السِّرَّ، وَكَانَ فخورًا بِهِ. صَارَ يَمشِي بَيْنَ الرجالِ كَأَنَّهُ يَحملُ شيئًا لَا يَحملونَهُ.
وَفِي ظهيرةٍ حارَّةٍ، وَهُوَ يَمشِي نصفَ نائمٍ، سَألَهُ عَوَّادٌ: «وَالظِّلُّ؟»
قَالَ: «عَنْ يسارِنَا.»
وَلَمْ يَنظرْ. لَمْ يَحدثْ شيءٌ، فَقَدْ كَانَ الظِّلُّ عَنْ يسارِهِمْ فعلًا. لكنَّهُ سَيَتذكَّرُ تلكَ الظهيرةَ بَعْدَ أيامٍ، وَيَتمنَّى لَوْ لَمْ يَتذكَّرْ.
فِي اليومِ السابعِ هَبَّتِ الريحُ. ثلاثةَ أيامٍ لَمْ يَرَ فِيهَا أحدٌ أبعدَ مِنْ رأسِ جَمَلِهِ. بَرَكَتِ الجِمَالُ وَأَدارَتْ ظهورَهَا للريحِ، وَجَلسَ الرجالُ خلفَهَا، وَلَفُّوا وجوهَهُمْ. كَانَ الرملُ فِي الأسنانِ، وَفِي الخبزِ، وَفِي الكلامِ.
وَلَمَّا سَكَنَتِ الريحُ، كَانَتِ الصحراءُ قَدْ تَغيَّرَتْ. حَيْثُ كَانَتْ أرضٌ مستويةٌ صَارَ كثيبٌ، وَحَيْثُ كَانَ كثيبٌ صَارَتْ أرضٌ.
قَالَ عَوَّادٌ: «غدًا نَبلغُ البئرَ. صِفْ لِي مَا تَرَى.»
قَالَ سالمٌ: «تَلٌّ عَنْ يمينِنَا، مِثْلُ سَنَامِ جَمَلٍ.»
هَزَّ العجوزُ رأسَهُ: «البئرُ عِنْدَ قَدَمِهِ، وَحولَهَا حجارةٌ سوداءُ مرصوفةٌ.»
وَصَلُوا عِنْدَ الظُّهْرِ. لَمْ تَكنْ هُنَاكَ حجارةٌ سوداءُ. لَمْ يَكنْ هُنَاكَ إِلَّا الرملُ.
حَفرَ الرجالُ حَيْثُ أَشارَ عَوَّادٌ، بالأيدِي وَالأوعيةِ، حَتَّى غَابَتِ الشمسُ. كَانَ الرملُ جافًّا إِلَى آخرِ مَا بَلَغُوا.
عَدَّ كبيرُ القافلةِ، وَاسمُهُ منصورٌ، القِرَبَ الباقيةَ، ثُمَّ عَدَّهَا مرَّةً أخرَى، وَقَالَ: «ماءُ يومينِ، إِذَا شَرِبْنَا قليلًا. وَآخرُ ماءٍ تَرَكْنَاهُ خلفَنَا عَلَى بُعْدِ أربعةِ أيامٍ.»
لَمْ يَقلْ أحدٌ شيئًا. كُلُّهُمْ يَعرفُ الحسابَ.
أَخرجَ منصورٌ فنجانًا صغيرًا مِنْ نحاسٍ، وَصَارَ يَسقِي الرجالَ بِهِ واحدًا واحدًا، فنجانًا عِنْدَ الغروبِ. شَربَ سالمٌ فنجانَهُ، فَلَمْ يَبلغِ الماءُ حلقَهُ.
جَلسَ تلكَ الليلةَ قربَ عَوَّادٍ، وَقلبُهُ يَدقُّ. كَانَتْ كلمتُهُ تَدورُ فِي رأسِهِ: تَلٌّ مِثْلُ سَنَامِ جَمَلٍ. وَتَذكَّرَ الظهيرةَ الَّتِي أَجابَ فِيهَا وَلَمْ يَنظرْ.
قَالَ: «يَا عَمِّ، ذلكَ التَّلُّ الَّذِي وَصفْتُهُ لكَ. مَاذَا لَوْ كَانَ كثيبًا جديدًا حَمَلَتْهُ الريحُ؟ أَنَا لَا أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا كَمَا تُفَرِّقُ أَنْتَ.»
لَمْ يُجبِ العجوزُ.
قَالَ سالمٌ، وَارتجفَ صوتُهُ: «الرجالُ يَعطشونَ لِأَنَّهُمْ يَتبعونَ عينيَّ، وَهُمْ لَا يَعلمونَ. عِنْدَهُمْ عيونٌ كثيرةٌ غَيْرُ عينيَّ. أَخبرْهُمْ يَا عَمِّ.»
«وَإِلَّا؟»
«وَإِلَّا أَخبرْتُهُمْ أَنَا. سَأَكرهُ نفسِي إِذَا فَعلْتُ، وَسَأَكرهُهَا أكثرَ إِذَا لَمْ أَفعلْ.»
مَرَّ وقتٌ طويلٌ، وَالنجومُ فوقَهُمَا كثيرةٌ لَا يَرَاهَا العجوزُ. ثُمَّ مَدَّ يدَهُ، فَوَجدَ كتفَ سالمٍ، وَنَهضَ مُسْتَنِدًا إِلَيْهِ.
مَشَى إِلَى النارِ حَيْثُ جَلسَ الرجالُ، وَقَالَ بصوتٍ واضحٍ: «يَا منصورُ، ذَهَبَ بَصَرِي. مُنْذُ سنةٍ لَا أَرَى إِلَّا النورَ وَالظِّلَّ. كُلُّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ عَنْ هَذِهِ الأرضِ رَآهُ لِي هَذَا الولدُ أوَّلًا.»
وَقفَ رجلٌ اسمُهُ حَمَدٌ، وَصَاحَ غاضبًا: «ولدٌ؟ نَموتُ عطشًا لِأَنَّ ولدًا قَالَ تَلًّا؟» ثُمَّ صَاحَ رجلٌ آخرُ. نَظرَ سالمٌ إِلَى الأرضِ، وَوَدَّ لَوْ دَفَنَتْهُ الريحُ مَعَ البئرِ.
رَفعَ منصورٌ يدَهُ، فَسَكَتُوا. نَظرَ إِلَى العجوزِ طويلًا، ثُمَّ قَالَ: «الغضبُ لَا يُشْرَبُ. عِنْدَنَا أربعٌ وَعشرونَ عينًا يَا عَوَّادُ، وَعِنْدَكَ مَا تَعرفُهُ. قُلْ لَنَا إِلَى أَيْنَ نَنظرُ.»
أَدارَ العجوزُ وجهَهُ نحوَ الظلامِ، كَأَنَّهُ يَقرأُ فِيهِ. قَالَ: «عِنْدَ الفجرِ انْظُرُوا إِلَى السماءِ، لَا إِلَى الأرضِ. القَطَا يَشربُ فجرًا. يَطيرُ إِلَى الماءِ فِي خَطٍّ لَا يَميلُ، مَهْمَا بَعُدَ، وَيُنادِي وَهُوَ يَطيرُ: قَطَا، قَطَا. مَنْ سَمِعَهُ فَلْيَصرخْ.»
لَمْ يَنَمْ أحدٌ. وَقَبْلَ أَنْ يَبْيَضَّ الأفقُ صَعِدَ الرجالُ الكثبانَ، كُلُّ رجلٍ فِي جهةٍ.
كَانَ لسانُ سالمٍ قَدْ جَفَّ، وَصَارَتْ شفتاهُ كالورقِ. نَظرَ حَتَّى دَمَعَتْ عيناهُ، فَلَمْ يَرَ شيئًا.
ثُمَّ سَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرَى: صوتًا خفيفًا بعيدًا، كَأطفالٍ يَتنادَوْنَ. قَطَا… قَطَا…
صَرخَ بِكُلِّ مَا بَقِيَ فِي حلقِهِ: «هُنَاكَ! نحوَ الشمالِ!»
مَرَّ فوقَهُ سِرْبٌ صغيرٌ، منخفضًا مستقيمًا كَأَنَّهُ خيطٌ مشدودٌ. ثُمَّ مَرَّ سِرْبٌ ثانٍ فِي الخَطِّ نفسِهِ.
سَارُوا. بَرَكَ جَمَلٌ فِي الطريقِ وَرفضَ أَنْ يَقومَ، فَأَنزَلُوا حِمْلَهُ وَقَسَمُوهُ عَلَى الجِمَالِ الأخرَى، فَقامَ وَتَبعَهُمْ بطيئًا. وَكَانَ سالمٌ يَقودُ جَمَلَ عَوَّادٍ، وَالعجوزُ يَسألُ: «مَا تحتَنَا الآنَ؟»
صَارَ سالمٌ يَنظرُ مرَّتينِ قَبْلَ أَنْ يُجيبَ.
«حصًى صغيرٌ.»
«جيِّدٌ. هَذِهِ أرضٌ يَمرُّ بِهَا السيلُ حِينَ يَأتِي. ابْقَ عَلَيْهِ.»
قَبْلَ الظُّهْرِ بقليلٍ وَصَلُوا إِلَى أرضٍ واطئةٍ بَيْنَ صخرتينِ. كَانَتِ الطيورُ تَملأُ قَدَمَ الصخرةِ الكبرَى، ثُمَّ طَارَتْ كُلُّهَا دفعةً واحدةً.
نَزلَ سالمٌ وَلَمسَ الأرضَ هُنَاكَ. كَانَتْ رطبةً باردةً. أَخذَ يدَ العجوزِ وَوضعَهَا عَلَيْهَا.
شَمَّ عَوَّادٌ أصابعَهُ، وَضَحكَ ضحكةً جافَّةً قصيرةً. قَالَ: «هَذَا عَرَقُ البئرِ. ابْحَثُوا عَنْ حجرٍ أسودَ.»
وَجدَهُ رجلٌ بَعْدَ ساعةٍ، تحتَ ذراعٍ مِنَ الرملِ: حجرٌ أسودُ، ثُمَّ آخرُ، ثُمَّ دائرةٌ كاملةٌ مِنْ حجارةٍ مرصوفةٍ. وَكَانَ حَمَدٌ، الَّذِي صَاحَ فِي الليلِ، أَوَّلَ مَنْ جَثَا وَحفرَ بيديهِ.
قَالَ سالمٌ: «أَنَا أصغرُكُمْ، أَنزلُ أَنَا.»
قَالَ منصورٌ: «البئرُ للرجالِ، وَأَنْتَ عَلَى الحبلِ.»
رَبطَ الحبلَ حولَ وَسَطِهِ، وَنَزلَ بنفسِهِ، وَأَخذَ يَملأُ الدلوَ رملًا، وَسالمٌ وَالرجالُ يَرفعونَ وَيَرمونَ، حَتَّى خَرجَ مِنْ تحتِ الأرضِ صوتٌ أَجَشُّ ضاحكٌ: «ماءٌ!»
شَرِبُوا قليلًا قليلًا، كَمَا أَمَرَهُمْ عَوَّادٌ، ثُمَّ سَقَوُا الجِمَالَ. وَجَاءَ حَمَدٌ بفنجانِ النحاسِ مَلْآنَ، فَوضعَهُ فِي يدِ سالمٍ، وَلَمْ يَقلْ شيئًا.
قَبْلَ أَنْ يَرحلُوا فَعَلُوا شيئًا أَخَّرَهُمْ يومًا كاملًا. حَملَ كُلُّ رجلٍ حجارةً، وَبَنَوْا قربَ البئرِ علامةً أطولَ مِنْ جَمَلٍ واقفٍ، لِيَرَاهَا مَنْ يَأتِي بعدَهُمْ.
مَرَّرَ عَوَّادٌ يدَهُ عَلَى الحجارةِ مِنْ أسفلِهَا إِلَى أعلاهَا، وَقَالَ: «قصيرةٌ.»
فَزَادُوهَا.
وَفِي طريقِ العودةِ سَارَ عَوَّادٌ فِي المقدِّمةِ كَمَا كَانَ. لكنَّ سالمًا لَمْ يَعدْ وحدَهُ. كَانَ رجلٌ يَصيحُ مِنْ خلفِهِ: «حصًى أبيضُ عَنْ يمينِكَ يَا عَوَّادُ!» وَرجلٌ يَصيحُ: «ظِلُّ الجبلِ قَصُرَ!» وَرجلٌ لَا يَعرفُ شيئًا يَصيحُ: «جَمَلِي جائعٌ!»
ضَحكَ العجوزُ، وَأَغمضَ عينيهِ اللتينِ لَا تَرَيَانِ، وَقَالَ لسالمٍ: «أَنْتُمْ قومٌ كثيرُو الكلامِ.»
ثُمَّ مَالَ إِلَيْهِ وَسَألَهُ: «مَا لونُ الرملِ أمامَنَا؟»