الْقَرْيَةُ الَّتِي جَمَعَتِ الْمَطَرَ

مِنْ 9 إِلَى 12 سَنَةًوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 9 دَقَائِقَ

كُلَّ خميسٍ كَانَ الصهريجُ يَصعدُ الطريقَ المُلْتَوِيَ إِلَى القريةِ، وَكُلَّ خميسٍ كَانَ ثمنُ الماءِ يَزيدُ.

كَانَتْ هَذِهِ السنةَ الثالثةَ بِلَا مطرٍ يُذْكَرُ. الجبلُ مدرَّجاتٌ مِنْ حجرٍ، بَنَاهَا الأجدادُ درجةً فوقَ درجةٍ، وَالمدرَّجاتُ الآنَ غبارٌ. فِي بيتِ أَرْوَى ثلاثُ صفائحَ لِكُلِّ يومٍ، تَقسمُهَا أمُّهَا بالكوبِ: للشربِ، ثُمَّ للطبخِ، ثُمَّ للغسيلِ، وَلَا يَبقَى شيءٌ.

وَعائلةُ شيماءَ، صديقةِ أَرْوَى، قَرَّرَتِ الرحيلَ إِلَى المدينةِ بَعْدَ الشتاءِ. كَانَتِ البنتانِ قَدْ زَرَعَتَا لوزةً أمامَ بيتِ شيماءَ وَهُمَا فِي السادسةِ، وَكَانَتَا تَسقيانِهَا بماءِ غسلِ الوجهِ.

قَالَتْ شيماءُ: «لَنْ يَسقيَهَا أحدٌ.»

قَالَتْ أَرْوَى: «أَنَا.»

وَكَانَتَا تَعرفانِ حسابَ الصفائحِ.

فِي أعلَى القريةِ بركةٌ حجريَّةٌ بحجمِ ساحةِ المدرسةِ، لَهَا عشرونَ درجةً تَنزلُ إِلَى قاعٍ مِنَ الترابِ وَالشوكِ. لَا يَذكرُ أحدٌ أَنَّهَا امتلأَتْ يومًا. كَانَ الأولادُ يَلعبونَ الكرةَ فِي قاعِهَا، وَلَا أحدَ يَسألُ مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأتيهَا الماءُ.

ثُمَّ جَاءَتْ فِي الشتاءِ زَخَّةٌ قصيرةٌ، ثلثُ ساعةٍ لَا أكثرَ. خَرجَ الناسُ بالدلاءِ وَالأوانِي، وَصعدَتْ أَرْوَى مَعَ أخيهَا الكبيرِ لِيَسوقَا الماعزَ إِلَى الحظيرةِ العليَا.

هُنَاكَ رَأَتْ شيئًا أَوقفَهَا تحتَ المطرِ.

الماءُ عَلَى السفحِ يَنزلُ مُتعرِّجًا، يَدورُ حولَ كُلِّ حجرٍ. لكنَّ خيطًا مِنْهُ كَانَ يَمشِي مستقيمًا، ثُمَّ يَميلُ ميلًا خفيفًا كَأَنَّ أحدًا يَقودُهُ، ثُمَّ يَختفِي تحتَ جدارِ مدرَّجةٍ.

جَثَتْ وَحفرَتْ بعودٍ، فَوَجدَتْ عَلَى جانبيهِ حجارةً مرصوفةً، وَبَيْنَهَا أرضيَّةً ملساءَ كالصحنِ.

هَذَا لَيْسَ مجرَى سيلٍ. هَذِهِ قناةٌ. أحدٌ مَا بَنَاهَا.


صَارَتْ تَخرجُ بَعْدَ المدرسةِ مَعَ أخيهَا، وَمَعَهُمَا مجرفةٌ صغيرةٌ وَدفترٌ.

تَبِعَتِ القناةَ صعودًا، فَانتهَتْ عِنْدَ قَدَمِ «الأصلعِ»، ذلكَ السفحِ الصخريِّ العارِي فوقَ القريةِ، الَّذِي لَا يَنبتُ فِيهِ شيءٌ، وَلَا يَصعدُ إِلَيْهِ أحدٌ. وَتَبِعَتْهَا نزولًا، فَدخلَتْ تحتَ أفضلِ مدرَّجةٍ فِي القريةِ، مدرَّجةِ العَمِّ مقبلٍ، ثُمَّ خرجَتْ مِنْ تحتِهَا، وَانتهَتْ إِلَى فتحةٍ منحوتةٍ فِي جدارِ البركةِ، خلفَ الشوكِ.

جَلسَتْ عَلَى حافَّةِ البركةِ وَالخريطةُ فِي يدِهَا. الأصلعُ لَمْ يَكنْ أرضًا ضائعةً. كَانَ سطحًا، وَكَانَتِ البركةُ خَزَّانَهُ.

قَاسَتِ الأصلعَ بخطواتِهَا: 300 خطوةٍ فِي 200. وَذهبَتْ إِلَى معلِّمِ الرياضياتِ، فَلَمْ يَحسبْ لَهَا. قَالَ: «احْسُبِي أَنْتِ. لَوْ نَزلَ عَلَيْهِ مطرٌ بعمقِ سنتيمترٍ واحدٍ؟»

حَسَبَتْ ثلاثَ مرَّاتٍ، لِأَنَّهَا لَمْ تُصدِّقْ. 600 مترٍ مكعَّبٍ. وَالصهريجُ، كَمَا قَالَ سائقُهُ، 10 أمتارٍ.

«60 صهريجًا.» قَالَتْهَا فِي اجتماعِ القريةِ، وَالمعلِّمُ إِلَى جانبِهَا، وَخريطتُهَا عَلَى الأرضِ. «مِنْ زَخَّةٍ واحدةٍ كَالَّتِي جَاءَتْ. كَانَتْ تَنزلُ إِلَى البركةِ، ثُمَّ انسدَّتِ القناةُ، فَنَسِينَا.»

سَكتَ الرجالُ. ثُمَّ نَظَرُوا جميعًا إِلَى مقبلٍ.

كَانَ أبوهُ قَدْ بَنَى تلكَ المدرَّجةَ فوقَ القناةِ، قَبْلَ ستينَ سنةً، حِينَ لَمْ يَعدْ أحدٌ يَذكرُ لِمَاذَا تَمرُّ هُنَاكَ. وَلَمْ يَكنْ مقبلٌ يُكلِّمُ أَبَا أَرْوَى أصلًا، مُنْذُ عشرِ سنينَ، بسببِ حجرٍ عَلَى حَدِّ أرضيهِمَا.

قَالَ بهدوءٍ: «جدارٌ بَنَاهُ أَبِي بيديهِ. لَنْ يَمسَّهُ أحدٌ.» وَقامَ وَخرجَ.


فِي اليومِ التالِي نَزلَتْ أَرْوَى إِلَى قاعِ البركةِ، وَحفرَتْ تحتَ الشوكِ، وَملأَتْ كيسًا. ثُمَّ ذَهبَتْ مَعَ أخيهَا إِلَى مقبلٍ، وَهُوَ يُصلحُ جدارًا، وَفتحَتِ الكيسَ أمامَهُ.

لَمْ تَقلْ شيئًا. مَدَّ يدَهُ، وَفركَ الترابَ بَيْنَ أصابعِهِ، وَشَمَّهُ. كَانَ أسودَ ناعمًا. لَا يَرَى مزارعٌ ترابًا كَهَذَا إِلَّا فِي أحلامِهِ.

«مِنْ أَيْنَ هَذَا؟»

«مِنَ البركةِ. فِيهَا مِنْهُ مترانِ، ستونَ سنةً مِنْ طينِ الجبلِ. لَا بُدَّ أَنْ يُخْرَجَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَذهبَ إِلَى مكانٍ.» ثُمَّ أَخرجَتْ خريطتَهَا. «وَالقناةُ لَا تَحتاجُ إِلَى هدمِ الجدارِ. تَمرُّ تحتَهُ فِي نفقٍ مِنْ حجرٍ، إِذَا عَرفَ أحدٌ كَيْفَ يَبنِي نفقًا لَا يُسقطُ مَا فوقَهُ. يَقولونَ إِنَّكَ الوحيدُ الَّذِي يَعرفُ.»

نَظرَ إِلَيْهَا طويلًا، وَالترابُ فِي يدِهِ.

«مَنْ أَرسلَكِ؟»

«لَا أحدَ.»

«قُولِي لأبيكِ…» سَكتَ، وَعادَ إِلَى جدارِهِ. «قُولِي لَهُ إِنَّ الحجرَ كَانَ فِي مكانِهِ الصحيحِ. وَإِنَّنِي أَحتاجُ إِلَى رجلينِ يومَ السبتِ.»


اسْتمرَّ العملُ شهرينِ. نَزلَتِ القريةُ كُلُّهَا إِلَى البركةِ، الرجالُ بالمعاولِ، وَالنساءُ وَالأولادُ بالسلالِ، وَصعدَ الطينُ الأسودُ إِلَى المدرَّجاتِ سلَّةً بَعْدَ سلَّةٍ. وَبَنَى مقبلٌ نفقَهُ حجرًا حجرًا، وَكَانَ أَبُو أَرْوَى يُناولُهُ الحجارةَ، وَلَا يَتكلَّمانِ.

حِينَ انتهَى، صَبُّوا فِي رأسِ القناةِ عشرَ صفائحَ مِنْ ماءِ الصهريجِ، وَهُوَ غالٍ، لِيَرَوْا هَلْ يَصلُ. وَقفَتْ أَرْوَى عِنْدَ فتحةِ البركةِ تَنتظرُ. جَاءَ الماءُ بَعْدَ ربعِ ساعةٍ خيطًا رفيعًا بُنِّيًّا، وَسقطَ عَلَى القاعِ، وَشربَتْهُ الأرضُ فِي لحظةٍ.

ضَحكَ بعضُهُمْ. لكنَّ مقبلًا لَمْ يَضحكْ. هَزَّ رأسَهُ مرَّةً واحدةً، وَعادَ إِلَى بيتِهِ.

وَرحلَتْ عائلةُ شيماءَ فِي موعدِهَا. وَقفَتْ أَرْوَى عِنْدَ الطريقِ حَتَّى اختفَتِ السيَّارةُ عِنْدَ المنعطفِ، ثُمَّ عادَتْ إِلَى السلالِ. وَفِي المساءِ حَملَتْ كوبَ ماءِ وجهِهَا إِلَى اللوزةِ.

جَاءَ الربيعُ، وَلَمْ يَأتِ مطرٌ. وَقفَتِ البركةُ نظيفةً فارغةً، وَفَمُ القناةِ مفتوحٌ. صَارَ بعضُ الناسِ يَقولونَ «بركةُ أَرْوَى» بصوتٍ لَا يُعجبُهَا. وَزادَ ثمنُ الصهريجِ.

ثُمَّ، فِي آخرِ الصيفِ، بَعْدَ الظُّهْرِ، تَجمَّعَتْ غيومٌ سوداءُ فوقَ الأصلعِ.

جَمعَ الرجالُ الأولادَ عَلَى المدرَّجاتِ العليَا، بعيدًا عَنِ القناةِ. قَالَ أبوهَا: «لَا يَقتربُ أحدٌ. السيلُ يَحملُ حجرًا بحجمِ رأسِكِ، فَكَيْفَ لَا يَحملُكِ؟»

وَنزلَ المطرُ.

لَمْ يَكنْ مطرًا عظيمًا. كَانَ مطرَ كُلِّ سنةٍ، أربعينَ دقيقةً، مِثْلَ الَّذِي يَشربُهُ الغبارُ وَيَنساهُ الناسُ.

لكنَّ أَرْوَى سَمِعَتِ الأصلعَ قَبْلَ أَنْ تَرَى شيئًا. كَانَ يَهدرُ. الماءُ يَنزلُ عَلَى الصخرِ العارِي صفحةً واحدةً، لَا شيءَ يَشربُهُ، وَيَدخلُ القناةَ بُنِّيًّا سريعًا، يَحملُ مَعَهُ غبارَ ثلاثِ سنينَ.

عِنْدَ رأسِ النفقِ وَقفَ مقبلٌ تحتَ المطرِ، وَمَعَهُ رجلانِ. تَرَكُوا الدفعةَ الأولَى القذرةَ تَذهبُ مِنْ بابٍ جانبيٍّ إِلَى الوادِي، ثُمَّ أَغلقُوهُ بلوحٍ. دَخلَ الماءُ النفقَ، وَخرجَ مِنَ الجهةِ الأخرَى، وَالجدارُ فوقَهُ لَمْ يَتحرَّكْ.

ثُمَّ سَمِعُوهُ جميعًا مِنْ حَيْثُ وَقَفُوا: صوتُ ماءٍ يَسقطُ عَلَى حجرٍ فارغٍ.

فِي الصباحِ نَزلَتِ القريةُ لِتَنظرَ. وَقَفُوا عَلَى الحافَّةِ لَا يَتكلَّمونَ. كَانَ الماءُ بُنِّيًّا هادئًا، وَالغيمُ يَمشِي عَلَى وجهِهِ.

عَدَّتْ أَرْوَى الدرجاتِ الجافَّةَ مِنْ فوقُ، ثُمَّ عَدَّتْهَا ثانيةً. غَطَّى الماءُ سبعَ درجاتٍ.

جَاءَ مقبلٌ فَوقفَ قربَ أبيهَا، دُونَ أَنْ يَنظرَ إِلَيْهِ. قَالَ: «الحجرُ كَانَ فِي مكانِهِ.»

قَالَ أبوهَا: «كَانَ.»

وَبَقِيَا واقفينِ.

يومَ الخميسِ صَعدَ الصهريجُ الطريقَ المُلْتَوِيَ، وَأَطلقَ بوقَهُ فِي الساحةِ. خَرجَ إِلَيْهِ نصفُ مَنْ كَانَ يَخرجُ.

كَتبَتْ أَرْوَى تلكَ الليلةَ إِلَى شيماءَ: «الماءُ عِنْدَ الدرجةِ السابعةِ. لوزتُنَا لَمْ تَيْبَسْ بَعْدُ. لَا أَقولُ لكِ: ارْجِعِي. أَقولُ: سبعُ درجاتٍ.»