الْحَمَلُ الضَّائِعُ

مِنْ 6 إِلَى 8 سَنَوَاتٍوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 3 دَقَائِقَ

«وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ…»

كُلَّ مَسَاءٍ، تَقِفُ لَيْلَى عِنْدَ بَابِ الْحَظِيرَةِ، وَتَعُدُّ الْحُمْلَانَ. وَالْحَظِيرَةُ بَيْتُ الْغَنَمِ، جُدْرَانُهُ مِنْ حِجَارَةٍ.

هَذَا عَمَلُهَا مُنْذُ بَدَأَ الرَّبِيعُ. جَدُّهَا يَرْجِعُ بِالْغَنَمِ مِنَ الْجَبَلِ، وَهِيَ تَعُدُّ الصِّغَارَ.

الْحُمْلَانُ عَشَرَةٌ، وَلِكُلِّ حَمَلٍ عِنْدَهَا اسْمٌ. أَصْغَرُهَا قُطْنٌ، حَمَلٌ أَبْيَضُ لَهُ أُذُنٌ سَوْدَاءُ.

«سَبْعَةٌ، ثَمَانِيَةٌ، تِسْعَةٌ…»

ثُمَّ انْتَهَتِ الْحُمْلَانُ.

عَدَّتْ لَيْلَى مَرَّةً أُخْرَى. تِسْعَةٌ.

نَظَرَتْ بَيْنَ أَرْجُلِ الْغَنَمِ، وَخَلْفَ الْبَابِ. لَا أُذُنَ سَوْدَاءَ.

خَرَجَتْ إِلَى السَّاحَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَى الْجَبَلِ. كَانَتِ الشَّمْسُ تَنْزِلُ خَلْفَهُ، وَالطَّرِيقُ يَصِيرُ رَمَادِيًّا.

مَشَتْ خُطْوَتَيْنِ نَحْوَ الْجَبَلِ، ثُمَّ وَقَفَتْ.

فَكَّرَتْ: «الْجَبَلُ كَبِيرٌ، وَأَنَا وَحْدِي، وَاللَّيْلُ قَرِيبٌ. إِذَا ضِعْتُ أَنَا أَيْضًا، فَمَنْ يَجِدُ قُطْنًا؟»

رَجَعَتْ تَرْكُضُ، وَنَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: «جَدِّي! جَدِّي! قُطْنٌ لَيْسَ هُنَا!»

خَرَجَ جَدُّهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَأَخَذَ عَصَاهُ وَمِصْبَاحًا. قَالَ: «حَسَنًا فَعَلْتِ.»

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْجَبَلِ، وَقَالَ: «الْجَبَلُ وَاسِعٌ. مِنْ أَيْنَ نَبْدَأُ؟»

سَمِعَتْ لَيْلَى صَوْتًا خَلْفَهَا: مَاعْ… مَاعْ…

كَانَتْ أُمُّ قُطْنٍ تَقِفُ عِنْدَ بَابِ الْحَظِيرَةِ، وَلَا تَأْكُلُ.

صَاحَتْ لَيْلَى: «جَدِّي! قُطْنٌ يَعْرِفُ صَوْتَ أُمِّهِ! نَأْخُذُهَا مَعَنَا، وَهِيَ تُنَادِيهِ!»

ابْتَسَمَ جَدُّهَا، وَرَبَطَ حَبْلًا فِي عُنُقِهَا بِرِفْقٍ. قَالَ: «هَذِهِ فِكْرَةُ رَاعِيَةٍ.»

مَشَتْ لَيْلَى قُرْبَ جَدِّهَا، وَمَشَتْ أُمُّ قُطْنٍ أَمَامَهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ الضَّيِّقِ.

بَعْدَ قَلِيلٍ وَقَفَ الْجَدُّ، وَقَالَ: «اسْكُتِي الْآنَ، وَاسْمَعِي.»

مَاعْ… مَاعْ…

لَا جَوَابَ. لَا شَيْءَ إِلَّا الرِّيحُ فِي شَجَرِ اللَّوْزِ.

مَشَوْا قَلِيلًا، وَوَقَفُوا مَرَّةً ثَانِيَةً.

مَاعْ… مَاعْ…

لَا جَوَابَ. صَارَ لَوْنُ السَّمَاءِ أَزْرَقَ غَامِقًا، وَأَضَاءَ الْجَدُّ مِصْبَاحَهُ.

وَقَفُوا مَرَّةً ثَالِثَةً، عِنْدَ جِدَارٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ.

مَاعْ… مَاعْ…

ثُمَّ جَاءَ مِنْ تَحْتِ الْجِدَارِ صَوْتٌ صَغِيرٌ رَقِيقٌ: مَعْ…

رَفَعَ الْجَدُّ مِصْبَاحَهُ. كَانَ قُطْنٌ قَدْ قَفَزَ مِنْ فَوْقِ الْجِدَارِ إِلَى حَقْلٍ صَغِيرٍ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الرُّجُوعَ.

وَهَا هُوَ يَقِفُ فِي الْعُشْبِ، وَالْعُشْبُ فِي فَمِهِ.

قَالَ الْجَدُّ: «ابْقَيْ هُنَا، وَأَمْسِكِي الْحَبْلَ.»

نَزَلَ بِبُطْءٍ، وَحَمَلَ قُطْنًا بِذِرَاعَيْهِ، وَرَجَعَ بِهِ إِلَى الطَّرِيقِ.

رَكَضَ قُطْنٌ إِلَى أُمِّهِ، وَأَخَذَ يَرْضَعُ، وَذَيْلُهُ يَهْتَزُّ.

لَمْ تَقُلْ لَيْلَى شَيْئًا. وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى صُوفِهِ الدَّافِئِ، ثُمَّ تَرَكَتْهُ.


حِينَ وَصَلُوا إِلَى الْبَيْتِ، كَانَ الْقَمَرُ قَدْ طَلَعَ.

أَدْخَلَ الْجَدُّ الْأُمَّ وَصَغِيرَهَا إِلَى الْحَظِيرَةِ، وَوَقَفَتْ لَيْلَى عِنْدَ الْبَابِ.

«وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ، أَرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، ثَمَانِيَةٌ، تِسْعَةٌ…»

رَفَعَ حَمَلٌ صَغِيرٌ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِ الْغَنَمِ، فَظَهَرَتْ أُذُنٌ سَوْدَاءُ.

«عَشَرَةٌ.»