أَنَا قِطَّةُ الْمَكْتَبَةِ
اسْمِي سُكَّرَةُ، وَأَنَا أَعْمَلُ فِي الْمَكْتَبَةِ.
عَمَلِي صَعْبٌ. فِي الصَّبَاحِ أَنَامُ عَلَى رَفِّ الْخَرَائِطِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ تَصِلُ إِلَيْهِ أَوَّلًا. فِي الظُّهْرِ أَنَامُ عَلَى مَكْتَبِ الْآنِسَةِ هَالَةَ، حَتَّى لَا تَطِيرَ أَوْرَاقُهَا. وَبَعْدَ الظُّهْرِ أَنَامُ فِي أَيِّ مَكَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى قِطَّةٍ.
يَأْتِي النَّاسُ إِلَى هُنَا لِيَنْظُرُوا إِلَى الْأَوْرَاقِ. يَفْتَحُونَ الْكِتَابَ، وَيُحَدِّقُونَ فِيهِ طَوِيلًا، وَلَا يَأْكُلُونَهُ. لَا أَفْهَمُ هَذَا. لَكِنَّهُ لَا يُزْعِجُنِي.
ذَاتَ يَوْمٍ جَاءَ وَلَدٌ اسْمُهُ بَاسِمٌ.
كَانَ الْأَوْلَادُ يَجْلِسُونَ عِنْدَ الطَّاوِلَةِ الْكَبِيرَةِ. لَكِنَّ بَاسِمًا مَشَى إِلَى الزَّاوِيَةِ، خَلْفَ رَفِّ الْخَرَائِطِ. هَذِهِ زَاوِيَتِي.
جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَفَتَحَ كِتَابًا رَفِيعًا، وَبَدَأَ يَهْمِسُ:
«ذَ… ذَهَ… ذَهَبَ… ذَهَبَ الْ… الْوَ… الْوَلَدُ…»
ثُمَّ سَكَتَ، وَمَسَحَ عَيْنَيْهِ بِكُمِّهِ.
سَمِعْتُ الْآنِسَةَ هَالَةَ تَقُولُ لِأُمِّهِ: «إِنَّهُ يَقْرَأُ بِبُطْءٍ، وَيَخْجَلُ أَمَامَ الْأَوْلَادِ. سَيَتَعَلَّمُ عَلَى مَهْلٍ.»
أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا هُوَ الْخَجَلُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمَفْتُوحَ دَافِئٌ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قَفَزْتُ مِنَ الرَّفِّ، وَجَلَسْتُ عَلَى نِصْفِ كِتَابِهِ.
نَظَرَ إِلَيَّ طَوِيلًا. ثُمَّ قَالَ هَمْسًا: «أَنَا أَقْرَأُ بِبُطْءٍ. هَلْ سَتَضْحَكِينَ؟»
الْقِطَطُ لَا تَضْحَكُ. أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
فَقَرَأَ النِّصْفَ الَّذِي لَا أَجْلِسُ عَلَيْهِ.
صَارَ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الْمَدْرَسَةِ. هُوَ يَقْرَأُ، وَأَنَا أَعْمَلُ.
أَحْيَانًا يَقِفُ عِنْدَ كَلِمَةٍ، وَتَحُطُّ عَلَى أُذُنِي ذُبَابَةٌ، فَأُحَرِّكُ أُذُنِي.
فَيَقُولُ: «مَعَكِ حَقٌّ. أَخْطَأْتُ.» وَيَقْرَأُ الْكَلِمَةَ مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ أُصَحِّحْ لَهُ هَذَا الْخَطَأَ.
فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ، كُنْتُ أَنَامُ قَبْلَ نِهَايَةِ الصَّفْحَةِ.
فِي الْأُسْبُوعِ الثَّالِثِ، صَارَ صَوْتُهُ أَسْرَعَ، وَصَارَ الْكِتَابُ أَسْمَكَ. وَهَذَا خَطَرٌ عَلَى عَمَلِي.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ قَرَأَ: «وَرَأَى الصَّيَّادُ سَمَكَةً كَبِيرَةً.»
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ، وَبَحَثْتُ بَيْنَ الْأَوْرَاقِ. لَا سَمَكَةَ. خُطُوطٌ سَوْدَاءُ فَقَطْ.
ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى زَاوِيَتِي بِنْتٌ صَغِيرَةٌ. وَقَفَتْ أَمَامَ بَاسِمٍ، وَقَالَتْ: «مَاذَا حَدَثَ لِلسَّمَكَةِ؟»
احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَنَظَرَ إِلَيَّ. لَمْ أَتَحَرَّكْ. هَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِي.
قَالَ لَهَا: «هَلْ تُرِيدِينَ أَنْ أَقْرَأَ لَكِ؟»
جَلَسَتِ الْبِنْتُ، وَقَرَأَ بَاسِمٌ. قَرَأَ بِبُطْءٍ. لَكِنَّهَا لَمْ تَضْحَكْ. قَالَتْ فَقَطْ: «وَبَعْدَ ذَلِكَ؟»
فِي الْيَوْمِ التَّالِي جَاءَتْ، وَمَعَهَا أَخُوهَا. وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ جَاءَ وَلَدَانِ مِنَ الطَّاوِلَةِ الْكَبِيرَةِ.
الْآنَ زَاوِيَتِي مَلِيئَةٌ بِالْأَرْجُلِ. لَا مَكَانَ لِقِطَّةٍ تَعْمَلُ.
وَقَفْتُ وَسَطَهُمْ غَاضِبَةً.
مَدَّ بَاسِمٌ يَدَهُ، وَعَيْنَاهُ عَلَى الصَّفْحَةِ، وَرَفَعَنِي إِلَى حِجْرِهِ. ثُمَّ أَكْمَلَ الْجُمْلَةَ دُونَ أَنْ يَقِفَ.
حَسَنًا.
مَا زِلْتُ لَا أَفْهَمُ مَا فِي تِلْكَ الْأَوْرَاقِ. وَلَا أَحَدَ فِي الْمَكْتَبَةِ يَشْكُرُنِي عَلَى مَا أَفْعَلُ.
لَكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: عَمَلِي صَعْبٌ، وَأَنَا أُتْقِنُهُ.