الصَّقْرُ الَّذِي عَادَ

مِنْ 6 إِلَى 8 سَنَوَاتٍوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 4 دَقَائِقَ

«ارْفَعْ ذِرَاعَكَ، وَلَا تَخَفْ.»

رَفَعَ حَمَدٌ ذِرَاعَهُ، وَعَلَيْهَا قُفَّازٌ سَمِيكٌ مِنَ الْجِلْدِ. نَفَخَ فِي الصَّفَّارَةِ نَفْخَةً طَوِيلَةً.

جَاءَ الصَّقْرُ مِنْ بَعِيدٍ. كَانَ نُقْطَةً فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَبِرَ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى الْقُفَّازِ. فِي رِجْلِهِ جَرَسٌ صَغِيرٌ: تِنْ… تِنْ…

قَالَ خَالُهُ جَاسِمٌ: «أَحْسَنْتَ. بَرْقٌ يَعْرِفُ صَوْتَ صَفَّارَتِكَ الْآنَ. أَعْطِهِ قِطْعَةَ اللَّحْمِ.»

كَانَ هَذَا أَوَّلَ شِتَاءٍ لِحَمَدٍ فِي مُخَيَّمِ خَالِهِ. قَالَ لَهُ خَالُهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ: «فِي الصَّحْرَاءِ قَاعِدَتَانِ. لَا تَبْتَعِدْ وَحْدَكَ. وَإِذَا ضِعْتَ، فَقِفْ فِي مَكَانِكَ وَلَا تَمْشِ.»


فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، ذَهَبَ خَالُهُ إِلَى السَّيَّارَةِ لِيُحْضِرَ الْمَاءَ. نَفَخَ حَمَدٌ فِي الصَّفَّارَةِ، لَكِنَّ بَرْقًا لَمْ يَنْزِلْ. دَارَ فِي السَّمَاءِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ طَارَ خَلْفَ التَّلِّ.

صَاحَ حَمَدٌ: «بَرْقُ! ارْجِعْ!» وَرَكَضَ وَرَاءَهُ.

صَعِدَ التَّلَّ، فَرَأَى بَرْقًا فَوْقَ التَّلِّ التَّالِي. نَزَلَ، وَصَعِدَ، وَنَزَلَ، وَصَعِدَ. كَانَ الرَّمْلُ يَسْحَبُ قَدَمَيْهِ. ثُمَّ اخْتَفَى بَرْقٌ.

وَقَفَ حَمَدٌ يَلْهَثُ، وَالْتَفَتَ إِلَى الْوَرَاءِ.

لَا خِيَامَ. لَا سَيَّارَةَ. تِلَالٌ صَفْرَاءُ فِي كُلِّ جِهَةٍ، وَكُلُّهَا تُشْبِهُ بَعْضَهَا.

دَقَّ قَلْبُهُ بِسُرْعَةٍ. أَرَادَتْ قَدَمَاهُ أَنْ تَرْكُضَا. لَكِنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ خَالِهِ فِي رَأْسِهِ.

وَإِذَا ضِعْتَ، فَقِفْ فِي مَكَانِكَ وَلَا تَمْشِ.

عَدَّ حَتَّى عَشَرَةٍ. صَعِدَ إِلَى أَعْلَى التَّلِّ، وَجَلَسَ هُنَاكَ. ثُمَّ نَفَخَ فِي الصَّفَّارَةِ.

نَفْخَةٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ انْتِظَارٌ. نَفْخَةٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ انْتِظَارٌ.

كَانَتِ الصَّحْرَاءُ صَامِتَةً، وَالشَّمْسُ تَرْتَفِعُ بِبُطْءٍ.

ثُمَّ سَمِعَ شَيْئًا صَغِيرًا جِدًّا.

تِنْ… تِنْ…

رَفَعَ رَأْسَهُ. نُقْطَةٌ فِي السَّمَاءِ، تَكْبَرُ وَتَكْبَرُ. رَفَعَ ذِرَاعَهُ، وَلَمْ يَخَفْ.

نَزَلَ بَرْقٌ عَلَى الْقُفَّازِ، ثَقِيلًا كَعَادَتِهِ.

ضَحِكَ حَمَدٌ، وَكَادَ يَبْكِي. لَكِنَّهُ مَا زَالَ ضَائِعًا. الْآنَ صَارَا ضَائِعَيْنِ مَعًا.

فَكَّرَ: أَنَا صَغِيرٌ، وَالتِّلَالُ كَبِيرَةٌ. لَنْ يَرَانِي أَحَدٌ مِنْ بَعِيدٍ. لَكِنَّ بَرْقًا يَطِيرُ عَالِيًا.

رَفَعَ ذِرَاعَهُ بِقُوَّةٍ، فَطَارَ الصَّقْرُ، وَأَخَذَ يَدُورُ فَوْقَ رَأْسِهِ. كَانَ يَنْتَظِرُ الصَّفَّارَةَ، كَمَا تَعَلَّمَ. وَلَمْ يَنْفُخْ حَمَدٌ.

دَارَ بَرْقٌ وَدَارَ، فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.


بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ، سَمِعَ حَمَدٌ صَوْتَ سَيَّارَةٍ. ظَهَرَتْ مِنْ خَلْفِ التَّلِّ، وَقَفَزَ مِنْهَا خَالُهُ.

ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ بَرْقًا مِنْ بَعِيدٍ، يَدُورُ وَلَا يَذْهَبُ. فَعَرَفْتُ أَنَّ تَحْتَهُ شَيْئًا يُهِمُّهُ.»

ثُمَّ سَأَلَهُ: «مَنْ قَالَ لَكَ أَنْ تَقِفَ فِي مَكَانِكَ؟»

قَالَ حَمَدٌ: «أَنْتَ.»

قَالَ خَالُهُ: «وَالْقَاعِدَةُ الْأُولَى؟»

نَظَرَ حَمَدٌ إِلَى الرَّمْلِ، وَقَالَ: «نَسِيتُهَا عِنْدَ أَوَّلِ تَلٍّ.»

نَفَخَ فِي الصَّفَّارَةِ، فَنَزَلَ بَرْقٌ عَلَى ذِرَاعِهِ.

فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، جَلَسَ حَمَدٌ فِي السَّيَّارَةِ، وَبَرْقٌ عَلَى قُفَّازِهِ. كَانَ ثَقِيلًا، وَكَانَتْ ذِرَاعُهُ تُؤْلِمُهُ.

وَلَمْ يُنْزِلْهَا حَتَّى وَصَلَا إِلَى الْخِيَامِ.