الْبَاقِي الزَّائِدُ

مِنْ 6 إِلَى 8 سَنَوَاتٍوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 3 دَقَائِقَ

فِي جَيْبِ طَارِقٍ صَوْتٌ جَدِيدٌ.

مَشَى خُطْوَةً: تِنْ. مَشَى خُطْوَةً أُخْرَى: تِنْ.

أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى دُكَّانِ الْعَمِّ جَمِيلٍ، عَلَى زَاوِيَةِ الشَّارِعِ، لِيَشْتَرِيَ خُبْزًا وَلَبَنًا.

أَعْطَى طَارِقٌ الْعَمَّ جَمِيلًا وَرَقَةً نَقْدِيَّةً، فَأَعَادَ إِلَيْهِ الْبَاقِيَ. وَالْبَاقِي هُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نُقُودِكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ.

طَارِقٌ يَعْرِفُ ثَمَنَ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ. الْبَاقِي دَائِمًا قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ.

وَقَفَ فِي الشَّارِعِ، وَفَتَحَ يَدَهُ. كَانَتْ فِيهَا الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ، وَمَعَهَا قِطْعَتَانِ كَبِيرَتَانِ.

نَظَرَ إِلَى الدُّكَّانِ. كَانَ الْعَمُّ جَمِيلٌ مَشْغُولًا مَعَ زَبُونٍ.

الْقِطْعَتَانِ الْكَبِيرَتَانِ تَعْنِيَانِ عَشْرَ حَبَّاتٍ مِنَ الْحَلْوَى بِالنَّعْنَاعِ.

قَالَ فِي نَفْسِهِ: «هُوَ لَمْ يَنْتَبِهْ. وَدُكَّانُهُ كَبِيرٌ.»

وَضَعَ الْقِطْعَتَيْنِ فِي جَيْبِهِ، وَمَشَى.

تِنْ. تِنْ.

فِي الْبَيْتِ، أَعْطَى أُمَّهُ الْخُبْزَ وَاللَّبَنَ وَالْقِطْعَةَ الصَّغِيرَةَ. قَالَتْ: «شُكْرًا يَا طَارِقُ.»

صَارَ الصَّوْتُ فِي جَيْبِهِ أَعْلَى.

فِي اللَّيْلِ، وَضَعَ الْقِطْعَتَيْنِ تَحْتَ الْوِسَادَةِ، فَلَمْ يَعُدْ لَهُمَا صَوْتٌ.

لَكِنَّهُ ظَلَّ يَسْمَعُهُمَا.


فِي الصَّبَاحِ، قَبْلَ الْمَدْرَسَةِ، مَرَّ بِالدُّكَّانِ. وَضَعَ الْقِطْعَتَيْنِ عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَ الْعَمِّ جَمِيلٍ.

قَالَ: «أَعْطَيْتَنِي هَاتَيْنِ بِالْخَطَأِ أَمْسِ.»

أَخَذَ الْعَمُّ جَمِيلٌ قِطْعَةً، وَقَرَّبَهَا مِنْ عَيْنِهِ، حَتَّى كَادَتْ تَلْمِسُ أَنْفَهُ.

قَالَ: «هَذِهِ كَبِيرَةٌ؟»

نَظَرَ طَارِقٌ إِلَى وَجْهِهِ. كَانَ فِيهِ شَيْءٌ نَاقِصٌ.

قَالَ: «أَيْنَ نَظَّارَتُكَ يَا عَمِّي؟»

فَتَحَ الْعَمُّ جَمِيلٌ دُرْجًا، وَأَخْرَجَ نَظَّارَةً لَهَا ذِرَاعٌ وَاحِدَةٌ، وَزُجَاجُهَا مَشْقُوقٌ.

قَالَ: «سَقَطَتْ قَبْلَ أُسْبُوعٍ. وَالطَّبِيبُ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَنَا وَحْدِي فِي الدُّكَّانِ. مَنْ يَفْتَحُهُ إِذَا ذَهَبْتُ؟»

ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى الْقِطْعَتَيْنِ.

قَالَ: «فَهِمْتُ الْآنَ. كُلَّ لَيْلَةٍ أَعُدُّ نُقُودِي، فَأَجِدُهَا نَاقِصَةً، وَلَا أَعْرِفُ لِمَاذَا.»

ذَهَبَ طَارِقٌ إِلَى مَدْرَسَتِهِ، لَكِنَّ رَأْسَهُ بَقِيَ فِي الدُّكَّانِ.

فِي الْمَسَاءِ، حَكَى لِأَبِيهِ كُلَّ شَيْءٍ: الْقِطْعَتَيْنِ، وَالْوِسَادَةَ، وَالنَّظَّارَةَ.

سَكَتَ أَبُوهُ طَوِيلًا. ثُمَّ قَالَ: «غَدًا لَا عَمَلَ عِنْدِي. وَأَنْتَ تَعْرِفُ الْحِسَابَ.»


فِي الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَ الْأَبُ خَلْفَ طَاوِلَةِ الدُّكَّانِ، وَجَلَسَ طَارِقٌ قُرْبَهُ. وَذَهَبَ الْعَمُّ جَمِيلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ.

عَدَّ طَارِقٌ الْبَاقِيَ لِكُلِّ مَنْ جَاءَ، قِطْعَةً قِطْعَةً، وَهُوَ يَنْظُرُ جَيِّدًا.

قَبْلَ الْمَغْرِبِ، رَجَعَ الْعَمُّ جَمِيلٌ، وَعَلَى أَنْفِهِ نَظَّارَةٌ جَدِيدَةٌ.

وَقَفَ فِي بَابِ الدُّكَّانِ، وَنَظَرَ إِلَى الرُّفُوفِ، وَالْعُلَبِ، وَالسَّقْفِ.

قَالَ: «مَا هَذَا الْغُبَارُ كُلُّهُ؟»

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى طَارِقٍ طَوِيلًا. قَالَ: «أَهَذَا أَنْتَ يَا طَارِقُ؟ مَتَى كَبِرْتَ هَكَذَا؟»

ضَحِكَ الْأَبُ، وَضَحِكَ طَارِقٌ.

مَدَّ الْعَمُّ جَمِيلٌ يَدَهُ إِلَى وِعَاءِ الْحَلْوَى عَلَى الرَّفِّ، وَأَخْرَجَ حَبَّةً بِالنَّعْنَاعِ. وَضَعَهَا فِي يَدِ طَارِقٍ، وَأَغْلَقَ أَصَابِعَهُ عَلَيْهَا.

قَالَ: «خُذْهَا. وَهَذِهِ لَيْسَتْ خَطَأً فِي الْحِسَابِ.»