سَقَطَتْ سِنِّي
وَجَدْتُ سِنِّي فِي الرَّغِيفِ.
كُنْتُ آكُلُ فُطُورِي، فَأَحْسَسْتُ بِشَيْءٍ صَغِيرٍ قَاسٍ. أَخْرَجْتُهُ مِنْ فَمِي، فَكَانَ سِنًّا بَيْضَاءَ.
جَرَيْتُ إِلَى الْمِرْآةِ، وَفَتَحْتُ فَمِي. رَأَيْتُ فِي وَسَطِ أَسْنَانِي بَابًا مَفْتُوحًا.
حَاوَلْتُ أَنْ أَقُولَ: «سَمِعْتُ.» فَخَرَجَتِ السِّينُ تَصْفِرُ مِثْلَ الرِّيحِ.
قَرَّرْتُ أَلَّا أَضْحَكَ أَبَدًا، وَأَلَّا أَفْتَحَ فَمِي إِلَّا لِلْأَكْلِ.
فِي الْمَدْرَسَةِ، حَكَى لِي صَدِيقِي نُكْتَةً. ضَغَطْتُ عَلَى فَمِي بِيَدِي، فَخَرَجَ الضَّحِكُ مِنْ أَنْفِي.
فِي الْغَدَاءِ، وَضَعَتْ أُمِّي تُفَّاحَةً حَمْرَاءَ فِي طَبَقِي. نَظَرْتُ إِلَيْهَا، وَلَمَسْتُ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ بِلِسَانِي. لَا. لَيْسَ الْيَوْمَ.
كَانَ جَدِّي يَجْلِسُ قُرْبِي، وَيَنْظُرُ إِلَى تُفَّاحَتِهِ أَيْضًا.
قَالَ: «لِمَاذَا لَا تَأْكُلُهَا يَا خَالِدُ؟»
لَمْ أَفْتَحْ فَمِي. أَشَرْتُ إِلَى أَسْنَانِي.
ابْتَسَمَ جَدِّي ابْتِسَامَةً كَبِيرَةً جِدًّا، فَرَأَيْتُ فَمَهُ كُلَّهُ. فِي الْأَعْلَى سِنَّانِ، وَفِي الْأَسْفَلِ سِنٌّ وَاحِدَةٌ.
عَرَفْتُ هَذَا الْفَمَ مُنْذُ وُلِدْتُ، لَكِنِّي لَمْ أَنْظُرْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ: «أَنَا أَيْضًا لَا آكُلُ التُّفَّاحَ. نَحْنُ إِذَنْ فَرِيقٌ وَاحِدٌ: فَرِيقُ الْأَكْلِ اللَّيِّنِ.»
ثُمَّ ضَحِكَ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَفَمُهُ كُلُّهُ بَابٌ مَفْتُوحٌ.
كِدْتُ أَضْحَكُ. أَغْلَقْتُ فَمِي بِيَدِي.
مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، صِرْنَا نَأْكُلُ مَعًا.
كُلَّ عَصْرٍ، آخُذُ مَوْزَةً وَشَوْكَةً، وَأَهْرِسُ الْمَوْزَةَ فِي طَبَقٍ. نَأْكُلُهَا بِمِلْعَقَتَيْنِ، أَنَا وَجَدِّي. وَأَحْيَانًا نَأْكُلُ تَمْرًا لَيِّنًا، أَوْ حَسَاءً.
كَانَ جَدِّي يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ يَزُورُنَا: «هَذَا زَمِيلِي فِي الْفَرِيقِ.»
ثُمَّ يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَقُولَ: «سَمِعْتُ.» فَأَقُولُهَا، فَتَصْفِرُ. وَيَقُولُهَا هُوَ، فَتَصْفِرُ أَكْثَرَ.
وَكُنْتُ أَنْسَى، فَأَضْحَكُ.
بَعْدَ أَسَابِيعَ، مَدَدْتُ لِسَانِي إِلَى الْبَابِ، فَلَمَسْتُ طَرَفًا صَغِيرًا حَادًّا.
جَرَيْتُ إِلَى الْمِرْآةِ. كَانَتْ هُنَاكَ حَافَّةٌ صَغِيرَةٌ بَيْضَاءُ. سِنٌّ جَدِيدَةٌ!
رَكَضْتُ إِلَى جَدِّي، وَفَتَحْتُ فَمِي عَلَى آخِرِهِ.
قَالَ: «هَذِهِ سِنٌّ قَوِيَّةٌ. سَتَأْكُلُ بِهَا تُفَّاحَ الدُّنْيَا كُلِّهَا.»
نَظَرْتُ إِلَى فَمِهِ، وَسَأَلْتُهُ: «وَأَنْتَ يَا جَدِّي؟ مَتَى تَنْبُتُ أَسْنَانُكَ؟»
ضَحِكَ وَقَالَ: «أَسْنَانِي فِي إِجَازَةٍ طَوِيلَةٍ. لَا تَعُودُ مِنْهَا.»
سَكَتُّ قَلِيلًا.
وَحِينَ كَبِرَتْ سِنِّي، أَكَلْتُ تُفَّاحَةً كَامِلَةً عَلَى الْغَدَاءِ. كَانَ صَوْتُهَا بَيْنَ أَسْنَانِي جَمِيلًا.
ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْمَطْبَخِ، وَأَخَذْتُ مَوْزَةً وَشَوْكَةً. هَرَسْتُهَا فِي طَبَقٍ، وَحَمَلْتُهَا إِلَى جَدِّي مَعَ مِلْعَقَتَيْنِ.
نَظَرَ جَدِّي إِلَى الطَّبَقِ، وَقَالَ: «لَكِنَّكَ خَرَجْتَ مِنَ الْفَرِيقِ!»
قُلْتُ: «لَا. أَنَا الْآنَ رَئِيسُ الْفَرِيقِ.»
وَضَحِكْنَا مَعًا: هُوَ بِأَسْنَانِهِ الثَّلَاثِ، وَأَنَا بِأَسْنَانِي كُلِّهَا.