الطَّائِرَةُ الْوَرَقِيَّةُ فَوْقَ السَّطْحِ
هَبَّتِ الرِّيحُ فَجْأَةً، فَانْفَلَتَ الْخَيْطُ مِنْ يَدِ هُدَى.
طَارَتِ الطَّائِرَةُ الْوَرَقِيَّةُ الْحَمْرَاءُ فَوْقَ السَّاحَةِ، ثُمَّ فَوْقَ الزُّقَاقِ. ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَى سَطْحِ بَيْتٍ قَدِيمٍ، وَعَلِقَتْ هُنَاكَ.
رَكَضَتْ هُدَى إِلَى الْبَيْتِ، وَوَقَفَتْ أَمَامَ بَابِهِ الْأَزْرَقِ. كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا. وَعَلَى الْجِدَارِ سُلَّمٌ حَدِيدِيٌّ قَدِيمٌ يَصْعَدُ إِلَى السَّطْحِ.
نَظَرَتْ هُدَى إِلَى السُّلَّمِ طَوِيلًا. كَانَتْ دَرَجَتُهُ الثَّانِيَةُ مَكْسُورَةً، وَكَانَ السَّطْحُ عَالِيًا.
قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «هَذَا سُلَّمٌ لَا يَصْعَدُهُ طِفْلٌ. سَأَبْحَثُ عَنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ.»
ذَهَبَتْ إِلَى الْخَبَّازِ فِي أَوَّلِ الزُّقَاقِ، وَسَأَلَتْهُ: «مَنْ يَسْكُنُ فِي الْبَيْتِ الْأَزْرَقِ؟»
مَسَحَ الْخَبَّازُ الطَّحِينَ عَنْ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «لَا أَعْرِفُ. الْخَيَّاطُ يَعْرِفُ كُلَّ النَّاسِ. خُذِي إِلَيْهِ هَذَا الرَّغِيفَ، فَهُوَ لَمْ يَأْكُلْ بَعْدُ.»
حَمَلَتْ هُدَى الرَّغِيفَ السَّاخِنَ إِلَى الْخَيَّاطِ. أَخَذَهُ شَاكِرًا، وَأَكَلَ مِنْهُ لُقْمَةً.
قَالَ: «الْبَيْتُ الْأَزْرَقُ؟ صَنَعْتُ لِصَاحِبَتِهِ ثَوْبًا قَبْلَ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّنِي نَسِيتُ اسْمَهَا. اسْأَلِي الْعَطَّارَ، وَخُذِي إِلَيْهِ هَذَا الزِّرَّ، فَهُوَ مِنْ قَمِيصِهِ.»
حَمَلَتْ هُدَى الزِّرَّ إِلَى الْعَطَّارِ. ضَحِكَ الْعَطَّارُ، وَوَضَعَهُ فِي جَيْبِهِ.
قَالَ: «إِنَّهَا الْخَالَةُ سُعَادُ. صَارَتْ كَبِيرَةً فِي السِّنِّ، وَلَا تَخْرُجُ كَثِيرًا.»
ثُمَّ مَلَأَ كِيسًا صَغِيرًا بِالنَّعْنَاعِ، وَقَالَ: «خُذِي هَذَا إِلَيْهَا. لَكِنْ نَادِي أُمَّكِ أَوَّلًا. لَا تَدْخُلِي بَيْتًا وَحْدَكِ.»
رَكَضَتْ هُدَى إِلَى بَيْتِهَا، وَنَادَتْ أُمَّهَا. وَبَعْدَ قَلِيلٍ طَرَقَتَا الْبَابَ الْأَزْرَقَ مَعًا.
فُتِحَ الْبَابُ بِبُطْءٍ. وَقَفَتْ خَلْفَهُ امْرَأَةٌ صَغِيرَةٌ، فِي يَدِهَا عَصًا.
أَعْطَتْهَا هُدَى كِيسَ النَّعْنَاعِ، وَبَدَأَتْ تَقُولُ: «طَائِرَتِي…»
قَالَتِ الْمَرْأَةُ: «أَنْتِ صَاحِبَةُ الطَّائِرَةِ الْحَمْرَاءِ!»
تَعَجَّبَتْ هُدَى. كَيْفَ عَرَفَتْ؟
أَشَارَتِ الْخَالَةُ سُعَادُ إِلَى نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ فَوْقَ الزُّقَاقِ، وَقَالَتْ: «أَجْلِسُ هُنَاكَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَنْظُرُ إِلَيْهَا. لَا يَزُورُنِي أَحَدٌ غَيْرُهَا.»
ثُمَّ ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: «وَالْيَوْمَ نَزَلَتْ عِنْدِي حَقًّا!»
صَعِدَتِ الْأُمُّ دَرَجَ الْبَيْتِ إِلَى السَّطْحِ، وَبَقِيَتْ هُدَى فِي الْأَسْفَلِ مَعَ الْخَالَةِ سُعَادَ.
عَادَتِ الْأُمُّ وَالطَّائِرَةُ فِي يَدِهَا. كَانَ ذَيْلُهَا مَقْطُوعًا.
فَتَحَتِ الْخَالَةُ سُعَادُ صُنْدُوقًا قَدِيمًا، وَأَخْرَجَتْ شَرِيطًا أَزْرَقَ طَوِيلًا. رَبَطَتْهُ فِي الطَّائِرَةِ بِيَدَيْنِ بَطِيئَتَيْنِ.
قَالَتْ: «الْآنَ أَعْرِفُهَا مِنْ بَعِيدٍ.»
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَقَفَتْ هُدَى فِي وَسَطِ السَّاحَةِ، بَعِيدًا عَنْ أَسْلَاكِ الْكَهْرَبَاءِ.
ارْتَفَعَتِ الطَّائِرَةُ فَوْقَ الزُّقَاقِ، وَذَيْلُهَا الْأَزْرَقُ يَرْقُصُ فِي الرِّيحِ.
شَدَّتْ هُدَى الْخَيْطَ مَرَّتَيْنِ، فَمَالَتِ الطَّائِرَةُ يَمِينًا وَيَسَارًا.
وَفِي النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ، ارْتَفَعَتْ يَدٌ، وَلَوَّحَتْ لَهَا.