وَصْفَةُ جَدَّتِي السِّرِّيَّةُ
كُلُّ النَّاسِ يُرِيدُونَ وَصْفَةَ جَدَّتِي.
«كَعْكُ التَّمْرِ عِنْدَ جَدَّتِكِ لَا يُشْبِهُ أَيَّ كَعْكٍ!» هَكَذَا تَقُولُ عَمَّتِي، وَهَكَذَا يَقُولُ الْجِيرَانُ.
وَجَدَّتِي تَبْتَسِمُ وَتَقُولُ: «هَذَا سِرٌّ.»
حَاوَلَتْ عَمَّتِي مَرَّةً أَنْ تَصْنَعَهُ، فَخَرَجَ كَعْكُهَا قَاسِيًا مِثْلَ الْحَجَرِ. أَكَلَ أَبِي وَاحِدَةً، وَشَرِبَ بَعْدَهَا كُوبَيْنِ مِنَ الْمَاءِ.
الْوَصْفَةُ فِي دَفْتَرٍ أَخْضَرَ صَغِيرٍ، فِي دُرْجِ الْمَطْبَخِ. لَمْ يَفْتَحْهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا.
ذَاتَ يَوْمٍ، قَالَتْ لَنَا الْمُعَلِّمَةُ: «اكْتُبُوا وَصْفَةً مِنْ بُيُوتِكُمْ.»
عَرَفْتُ فَوْرًا أَيَّ وَصْفَةٍ أُرِيدُ.
ذَهَبْتُ إِلَى جَدَّتِي يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَوَجَدْتُهَا تَعْجِنُ، وَالْعَجِينُ عَلَى يَدَيْهَا.
قَالَتْ: «هَاتِي الدَّفْتَرَ يَا رَنَا، وَافْتَحِيهِ لِي.»
كَانَتْ تُفَكِّرُ فِي الْعَجِينِ، وَلَمْ تَنْتَبِهْ إِلَى مَا قَالَتْ.
فَتَحْتُ الدَّفْتَرَ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
لَمْ أَجِدْ كَلِمَةً وَاحِدَةً.
وَجَدْتُ ثَلَاثَةَ أَكْوَابٍ مَرْسُومَةٍ بِقَلَمِ رَصَاصٍ. بَعْدَهَا نَخْلَةٌ صَغِيرَةٌ. بَعْدَهَا مِلْعَقَتَانِ. وَفِي آخِرِ الصَّفْحَةِ شَمْسٌ صَغِيرَةٌ.
قُلْتُ: «جَدَّتِي، أَيْنَ الْكَلِمَاتُ؟»
تَوَقَّفَتْ يَدَاهَا فِي الْعَجِينِ.
نَظَرَتْ إِلَى الْبَابِ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيَّ. قَالَتْ بِصَوْتٍ صَغِيرٍ: «لَمْ أَذْهَبْ إِلَى مَدْرَسَةٍ يَا رَنَا. كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْ قَرْيَتِنَا. أَنَا لَا أَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ وَلَا الْكِتَابَةَ.»
ثُمَّ قَالَتْ: «هَذَا هُوَ السِّرُّ.»
لَمْ أَضْحَكْ. لَمْ أَقُلْ شَيْئًا.
نَظَرْتُ إِلَى الرُّسُومِ مَرَّةً أُخْرَى. لِكُلِّ كُوبٍ مِقْبَضٌ صَغِيرٌ، وَلِلنَّخْلَةِ سَعَفٌ كَثِيرٌ. كَانَتْ أَجْمَلَ مِنْ أَيِّ وَصْفَةٍ فِي أَيِّ كِتَابٍ.
أَشَارَتْ جَدَّتِي بِإِصْبَعِهَا، وَقَالَتْ: «الْأَكْوَابُ لِلطَّحِينِ، وَالنَّخْلَةُ لِلتَّمْرِ، وَالْمِلْعَقَتَانِ لِلسَّمْنِ. وَالشَّمْسُ تَعْنِي أَنَّ الْكَعْكَ يَخْرُجُ مِنَ الْفُرْنِ حِينَ يَصِيرُ بِلَوْنِهَا.»
أَخَذْتُ الْقَلَمَ، وَكَتَبْتُ تَحْتَ النَّخْلَةِ: تَمْرٌ.
قُلْتُ: «انْظُرِي يَا جَدَّتِي. هَذَا حَرْفُ التَّاءِ. يُشْبِهُ صَحْنًا فَوْقَهُ تَمْرَتَانِ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا. ثُمَّ ضَحِكَتْ، وَغَسَلَتْ يَدَيْهَا، وَجَلَسَتْ قُرْبِي.
أَمْسَكَتِ الْقَلَمَ كَمَا تُمْسِكُ الْمِلْعَقَةَ، وَرَسَمَتْ صَحْنًا مُعْوَجًّا فَوْقَهُ نُقْطَتَانِ.
قَالَتْ: «اتَّفَقْنَا. أَنْتِ تُعَلِّمِينَنِي الْحُرُوفَ، وَأَنَا أُعَلِّمُكِ الْعَجْنَ. كُلَّ خَمِيسٍ.»
وَمَاذَا كَتَبْتُ لِلْمُعَلِّمَةِ؟ كَتَبْتُ وَصْفَةَ الْعَدَسِ مِنْ أُمِّي. السِّرُّ سِرٌّ.
مَرَّتْ أَشْهُرٌ.
صَارَتْ جَدَّتِي تَقْرَأُ لَافِتَاتِ الشَّارِعِ بِصَوْتٍ عَالٍ، حَرْفًا حَرْفًا. وَصِرْتُ أَنَا أَعْجِنُ. كَعْكِي الْأَوَّلُ كَانَ قَاسِيًا مِثْلَ كَعْكِ عَمَّتِي، لَكِنَّ جَدَّتِي أَكَلَتْهُ كُلَّهُ.
مَا زَالَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ عَنِ الْوَصْفَةِ. وَنَحْنُ نَبْتَسِمُ مَعًا، وَنَقُولُ: «هَذَا سِرٌّ.»
لَكِنَّ الدَّفْتَرَ الْأَخْضَرَ تَغَيَّرَ. تَحْتَ كُلِّ رَسْمٍ الْآنَ كَلِمَةٌ، بِخَطِّي أَوَّلًا، ثُمَّ بِخَطِّهَا.
وَعَلَى الْغِلَافِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، بِحُرُوفٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا: أَمِينَةُ.
هَذَا اسْمُ جَدَّتِي. كَتَبَتْهُ بِيَدِهَا.