مَوْسِمُ الزَّيْتُونِ عِنْدَ جَدِّي
أُمِّي الْحَبِيبَةُ،
أَكْتُبُ لَكِ مِنْ بَيْتِ جَدِّي، تَحْتَ الْمِصْبَاحِ، وَالْجَمِيعُ نَائِمُونَ. رَائِحَةُ الزَّيْتُونِ فِي يَدَيَّ، وَفِي شَعْرِي، وَفِي الْخُبْزِ أَيْضًا.
نَسْتَيْقِظُ كُلَّ يَوْمٍ قَبْلَ الشَّمْسِ. يَكُونُ الْبَرْدُ شَدِيدًا، ثُمَّ نَنْسَاهُ حِينَ نَبْدَأُ الْعَمَلَ.
خَالِي سَعِيدٌ يَصْعَدُ السُّلَّمَ. وَأَبْنَاؤُهُ يَقْطِفُونَ مِنَ الْأَغْصَانِ الْعَالِيَةِ. وَجَدِّي يَقْطِفُ بِيَدَيْهِ مِنَ الْأَغْصَانِ الْقَرِيبَةِ، كَمَا يَفْعَلُ كُلَّ عَامٍ. وَأَنَا أَجْمَعُ الْحَبَّاتِ الَّتِي تَسْقُطُ عَلَى الْقُمَاشِ.
عِنْدِي سِرٌّ يَا أُمِّي. لَمْ أُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا هُنَا.
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، رَأَيْتُ جَدِّي يَمُرُّ بِيَدِهِ عَلَى غُصْنٍ. قَطَفَ مِنْهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غُصْنٍ آخَرَ. وَبَقِيَتْ حَبَّاتٌ سَوْدَاءُ كَثِيرَةٌ، أَمَامَ وَجْهِهِ تَمَامًا.
فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ نَادَيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، فَنَظَرَ نَحْوِي وَقَالَ: «مَنْ هُنَاكَ؟» وَأَنَا أَلْبَسُ مِعْطَفِي الْأَحْمَرَ الَّذِي يَعْرِفُهُ.
أَظُنُّ أَنَّ عَيْنَيْ جَدِّي تَعِبَتَا.
هُوَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ. وَهَذِهِ أَشْجَارُهُ، زَرَعَ بَعْضَهَا بِيَدَيْهِ، وَيَعْرِفُهَا شَجَرَةً شَجَرَةً. فَكَيْفَ أَقُولُ لَهُ: نَسِيتَ حَبَّاتٍ يَا جَدِّي؟
لِذَلِكَ صِرْتُ أَمْشِي خَلْفَهُ. يَقْطِفُ جَدِّي وَيَنْتَقِلُ، فَأَقْطِفُ مَا تَرَكَهُ. وَحِينَ يَذْهَبُ لِيَشْرَبَ، أُفْرِغُ مَا جَمَعْتُ فِي سَلَّتِهِ.
سَأَلَنِي ابْنُ خَالِي: «لِمَاذَا تَمْشِينَ وَرَاءَ جَدِّي؟» قُلْتُ: «أُحِبُّ الْأَغْصَانَ الْقَرِيبَةَ.»
وَسَلَّةُ جَدِّي تَمْتَلِئُ قَبْلَ كُلِّ السِّلَالِ. فَيَضْحَكُ، وَيَقُولُ لِخَالِي: «مَا زِلْتُ أَسْرَعَ مِنْكُمْ جَمِيعًا!»
وَأَمْسِ رَآنِي خَالِي وَأَنَا أُفْرِغُ حَبَّاتِي فِي السَّلَّةِ. رَفَعَ حَاجِبَيْهِ، فَوَضَعْتُ إِصْبَعِي عَلَى فَمِي. نَظَرَ إِلَى جَدِّي طَوِيلًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى سُلَّمِهِ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
عِنْدَ الظُّهْرِ نَجْلِسُ كُلُّنَا تَحْتَ الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ، وَنَأْكُلُ الْخُبْزَ وَالْبَيْضَ وَالْبَصَلَ. يَقُولُ جَدِّي إِنَّ جَدَّهُ زَرَعَهَا. يَضَعُ يَدَهُ عَلَى جِذْعِهَا، وَيَمُرُّ بِأَصَابِعِهِ عَلَى خُطُوطِهِ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ.
هَذِهِ الشَّجَرَةُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَيْنَيْهِ لِيَعْرِفَهَا.
الْيَوْمَ حَمَلْنَا الزَّيْتُونَ إِلَى الْمَعْصَرَةِ. ضَجِيجٌ كَبِيرٌ، وَرَائِحَةٌ قَوِيَّةٌ، وَالزَّيْتُ الْجَدِيدُ يَنْزِلُ أَخْضَرَ.
تَعْرِفِينَ عَادَتَنَا: أَوَّلُ لُقْمَةٍ مِنَ الزَّيْتِ الْجَدِيدِ لِجَدِّي.
غَمَسَ جَدِّي الْخُبْزَ فِي الزَّيْتِ، وَوَقَفَ الْجَمِيعُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ.
الْتَفَتَ إِلَيَّ، وَمَدَّ يَدَهُ بِاللُّقْمَةِ، وَقَالَ: «افْتَحِي فَمَكِ يَا صَاحِبَةَ الْعَيْنَيْنِ الْجَيِّدَتَيْنِ.»
وَقَفْتُ لَا أَتَحَرَّكُ. هَلْ كَانَ يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا الْوَقْتِ؟
أَكَلْتُ اللُّقْمَةَ. لَسَعَنِي الزَّيْتُ فِي حَلْقِي، فَسَعَلْتُ، فَضَحِكَ الْجَمِيعُ.
فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، مَشَى جَدِّي بِجَانِبِي. قَالَ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ غَيْرِي: «اكْتُبِي لِأُمِّكِ. قُولِي لَهَا إِنَّ أَبَاهَا سَيَأْتِي إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْمَوْسِمِ. وَهُوَ يُرِيدُ طَبِيبَ عُيُونٍ جَيِّدًا.»
لِهَذَا أَكْتُبُ لَكِ اللَّيْلَةَ يَا أُمِّي. فَهَذَا لَمْ يَعُدْ سِرًّا.
سَأُحْضِرُ لَكِ زَيْتًا مِنْ أَشْجَارِهِ. قَبِّلِي أَبِي عَنِّي.
ابْنَتُكِ لَيْلَى
جَدِّي يُسَلِّمُ عَلَيْكِ، وَيَقُولُ إِنَّ سَلَّتَهُ مَا زَالَتْ تَمْتَلِئُ أَوَّلًا.