حَدِيقَةُ الشُّرْفَةِ
زَرَعَ كَرِيمٌ وَسَلْمَى نَعْنَاعًا. وَخَرَجَ شَيْءٌ آخَرُ.
فِي شُرْفَتِهِمْ صُنْدُوقَانِ مِنْ خَشَبٍ، مَلَأَهُمَا الْأَبُ بِالتُّرَابِ فِي الرَّبِيعِ. وَفِي الشُّرْفَةِ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ: لَا يَصْعَدُ أَحَدٌ عَلَى شَيْءٍ قُرْبَ السُّورِ، وَلَا يَمِيلُ فَوْقَهُ.
فِي الصُّنْدُوقِ الْأَوَّلِ، نَبَتَ النَّعْنَاعُ كَمَا يَجِبُ. وَفِي الصُّنْدُوقِ الثَّانِي، نَبَتَتْ فِي الطَّرَفِ وَرَقَةٌ كَبِيرَةٌ غَرِيبَةٌ.
شَمَّتْهَا سَلْمَى، وَقَالَتْ: «لَيْسَتْ نَعْنَاعًا.»
وَضَعَ كَرِيمٌ يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَمَشَى حَوْلَ الصُّنْدُوقِ. قَالَ بِصَوْتٍ غَلِيظٍ: «نَحْنُ أَمَامَ لُغْزٍ. الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: وَرَقَةٌ خَشِنَةٌ لَا رَائِحَةَ لَهَا.»
قَالَتْ سَلْمَى: «لِمَاذَا تَتَكَلَّمُ هَكَذَا؟»
قَالَ: «الْمُحَقِّقُونَ يَتَكَلَّمُونَ هَكَذَا.»
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، صَارَتْ لِلنَّبْتَةِ سَاقٌ طَوِيلَةٌ، تَزْحَفُ عَلَى حَافَّةِ الصُّنْدُوقِ.
قَالَ كَرِيمٌ: «الدَّلِيلُ الثَّانِي: تَمْشِي، وَلَا تَقِفُ.»
مَدَّتِ النَّبْتَةُ خُيُوطًا رَفِيعَةً، وَلَفَّتْهَا حَوْلَ قُضْبَانِ السُّورِ. رَآهَا الْأَبُ، فَرَبَطَ السَّاقَ بِخَيْطٍ إِلَى الدَّاخِلِ. لَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ فَوْقَ الشَّارِعِ.
بَعْدَ ذَلِكَ، طَلَعَتْ زَهْرَةٌ صَفْرَاءُ.
قَالَتْ سَلْمَى بِصَوْتٍ غَلِيظٍ: «الدَّلِيلُ الثَّالِثُ!» قَالَتْهَا قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا كَرِيمٌ.
ثُمَّ، فِي صَبَاحٍ مِنْ أَيَّامِ الصَّيْفِ، صَاحَتْ: «كَرِيمُ! تَعَالَ! كُرَةٌ!»
تَحْتَ وَرَقَةٍ كَبِيرَةٍ، كَانَتْ هُنَاكَ كُرَةٌ خَضْرَاءُ صَغِيرَةٌ، عَلَيْهَا خُطُوطٌ غَامِقَةٌ.
جَاءَ الْأَبُ، وَنَظَرَ، وَضَحِكَ. قَالَ: «هَذِهِ بِطِّيخَةٌ!»
سَكَتَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: «لَكِنَّنَا لَمْ نَزْرَعْ بِطِّيخًا. مَنْ زَرَعَهَا؟»
لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، كَانَ الْأَخَوَانِ جَالِسَيْنِ عَلَى أَرْضِ الشُّرْفَةِ. فَنَزَلَ شَيْءٌ صَغِيرٌ مِنْ فَوْقُ، وَسَقَطَ قُرْبَ قَدَمِ سَلْمَى.
طَقْ.
رَفَعَتْهُ بِإِصْبَعَيْنِ. كَانَتْ بِذْرَةً سَوْدَاءَ مُبْتَلَّةً.
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى الْأَعْلَى، وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَانِهِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أُخْتِهِ.
قَالَا مَعًا: «الدَّلِيلُ الْأَخِيرُ!»
ثُمَّ دَخَلَا، وَسَأَلَا أَبَاهُمَا: «مَنْ يَسْكُنُ فَوْقَنَا؟»
ظَلَّتِ الْبِطِّيخَةُ تَكْبُرُ، حَتَّى صَارَتْ فِي حَجْمِ بُرْتُقَالَةٍ كَبِيرَةٍ. ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
قَطَفَهَا الْأَبُ، وَصَعِدُوا جَمِيعًا إِلَى الطَّابَقِ الْأَعْلَى، وَطَرَقُوا الْبَابَ.
فَتَحَ وَلَدٌ فِي عُمْرِ كَرِيمٍ، اسْمُهُ عُمَرُ.
وَضَعَ كَرِيمٌ يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ غَلِيظٍ: «هَلْ تَأْكُلُ الْبِطِّيخَ فِي الشُّرْفَةِ؟»
قَالَ عُمَرُ: «نَعَمْ.»
«وَأَيْنَ تَذْهَبُ الْبُذُورُ؟»
نَظَرَ عُمَرُ إِلَى قَدَمَيْهِ، وَلَمْ يُجِبْ.
مَدَّتْ سَلْمَى يَدَيْهَا بِالْبِطِّيخَةِ الصَّغِيرَةِ، وَقَالَتْ: «هَذِهِ لَكَ. أَنْتَ زَرَعْتَهَا.»
قَالَ عُمَرُ: «أَنَا؟ أَنَا لَمْ أَزْرَعْ شَيْئًا فِي حَيَاتِي!»
قَالَتْ سَلْمَى: «أَنْتَ بَصَقْتَ، وَالتُّرَابُ فَعَلَ الْبَاقِيَ.»
ضَحِكَتْ أُمُّ عُمَرَ حَتَّى جَلَسَتْ. ثُمَّ قَطَعَتِ الْبِطِّيخَةَ قِطَعًا صَغِيرَةً.
لَمْ تَكُنْ حُلْوَةً كَثِيرًا، وَكَانَ قَلْبُهَا وَرْدِيًّا بَاهِتًا. لَكِنَّهُمْ قَالُوا جَمِيعًا إِنَّهَا أَحْلَى بِطِّيخَةٍ فِي الْعَالَمِ.
أَكَلَ عُمَرُ قِطْعَتَهُ، ثُمَّ نَظَرَ فِي يَدِهِ. كَانَتْ فِيهَا بِذْرَتَانِ سَوْدَاوَانِ.
لَمْ يَرْمِهِمَا.
مَدَّ يَدَهُ إِلَى كَرِيمٍ، وَسَأَلَ: «هَلْ فِي صُنْدُوقِكُمَا مَكَانٌ؟»