الصَّدِيقُ الَّذِي جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ

مِنْ 6 إِلَى 8 سَنَوَاتٍوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 3 دَقَائِقَ

«مَاءٌ أَبْيَضُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ؟»

ضَحِكَ رَاشِدٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى الرَّمْلِ. «هَذَا لَا يَكُونُ!»

قَالَ سَامِرٌ: «بَلْ يَكُونُ. يَنْزِلُ عَلَى قَرْيَتِي كُلَّ شِتَاءٍ، وَيُغَطِّي الْجَبَلَ وَالطَّرِيقَ وَالْبُيُوتَ.»

وَصَلَ سَامِرٌ إِلَى الْوَاحَةِ قَبْلَ أُسْبُوعٍ، لِأَنَّ أَبَاهُ صَارَ طَبِيبَهَا الْجَدِيدَ. وَالْوَاحَةُ مَكَانٌ أَخْضَرُ فِي وَسَطِ الصَّحْرَاءِ، فِيهِ مَاءٌ وَنَخِيلٌ.

كَانَ رَاشِدٌ يَعْرِفُ النَّخْلَ وَالرَّمْلَ وَالْحَرَّ. لَمْ يَرَ جَبَلًا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا ثَلْجًا.

فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، سَكَتَ سَامِرٌ بَعْدَ أَنْ ضَحِكَ رَاشِدٌ. جَلَسَ فِي ظِلِّ النَّخْلَةِ، وَأَخَذَ يَرْسُمُ فِي الرَّمْلِ جَبَلًا صَغِيرًا.

سَأَلَهُ رَاشِدٌ: «هَلْ غَضِبْتَ؟»

قَالَ سَامِرٌ: «لَا. لَكِنِّي أَشْتَاقُ إِلَى قَرْيَتِي. هُنَا كُلُّ شَيْءٍ حَارٌّ.»

رَجَعَ رَاشِدٌ إِلَى الْبَيْتِ وَهُوَ يُفَكِّرُ. فَتَحَ بَابَ الثَّلَّاجَةِ الْعُلْوِيَّ، وَنَظَرَ إِلَى قِطَعِ الثَّلْجِ الصَّغِيرَةِ.

قَالَ لِأُمِّهِ: «أُرِيدُ ثَلْجًا كَثِيرًا، لِصَدِيقِي.»

ضَحِكَتْ أُمُّهُ، ثُمَّ رَأَتْ وَجْهَهُ فَسَكَتَتْ. حَكَى لَهَا كُلَّ شَيْءٍ.

وَضَعَتْ قِطَعَ الثَّلْجِ فِي وِعَاءٍ، فَرَكَضَ بِهِ رَاشِدٌ إِلَى بَيْتِ سَامِرٍ.

نَظَرَ سَامِرٌ فِي الْوِعَاءِ، وَابْتَسَمَ قَلِيلًا، وَلَمَسَ قِطْعَةً بِإِصْبَعِهِ.

قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ بَارِدٌ. الثَّلْجُ نَاعِمٌ مِثْلُ الطَّحِينِ.»

مِثْلُ الطَّحِينِ! عَادَ رَاشِدٌ إِلَى أُمِّهِ رَكْضًا.

لَفَّتْ أُمُّهُ قِطَعَ الثَّلْجِ فِي قِطْعَةِ قُمَاشٍ، وَدَقَّتْهَا بِعَصًا مِنْ خَشَبٍ. دَقَّتْ وَدَقَّتْ، حَتَّى صَارَتْ نَاعِمَةً.

لَكِنَّهَا كَانَتْ قَلِيلَةً.

طَرَقَ رَاشِدٌ بَابَ الْجَارَةِ، ثُمَّ بَابَ جَارَةٍ أُخْرَى. قَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ: «هَلْ عِنْدَكِ ثَلْجٌ؟ إِنَّهُ لِصَدِيقٍ جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ.»

فِي الْمَسَاءِ، حِينَ قَلَّ الْحَرُّ، كَانَ عِنْدَهُ وِعَاءٌ مَمْلُوءٌ.

رَكَضَ إِلَى سَامِرٍ وَهُوَ يَصِيحُ: «تَعَالَ بِسُرْعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَذُوبَ!»

تَحْتَ النَّخْلَةِ، قَلَبَ رَاشِدٌ الْوِعَاءَ عَلَى الْأَرْضِ.

نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الْكَوْمَةِ الْبَيْضَاءِ. مَدَّ يَدَهُ فِيهَا، ثُمَّ ضَحِكَ ضَحْكَةً عَالِيَةً. لَمْ يَسْمَعْهَا رَاشِدٌ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ.

قَالَ: «تَعَالَ نَصْنَعْ رَجُلًا!»

صَنَعَا رَجُلًا مِنْ ثَلْجٍ، طُولُهُ طُولُ الْكَفِّ. جَعَلَا لَهُ عَيْنَيْنِ مِنْ نَوَى التَّمْرِ، وَقُبَّعَةً مِنْ لِيفِ النَّخْلَةِ.

لَمَسَهُ رَاشِدٌ بِطَرَفِ إِصْبَعِهِ، ثُمَّ أَبْعَدَ يَدَهُ وَصَاحَ: «كَأَنَّهُ يَعَضُّ!»

قَالَ سَامِرٌ: «هَذَا هُوَ الثَّلْجُ.»

قَالَ رَاشِدٌ: «إِذَنْ كُنْتَ صَادِقًا.»

لَكِنَّ الرَّجُلَ الصَّغِيرَ بَدَأَ يَنْقُصُ. مَالَتْ قُبَّعَتُهُ، ثُمَّ سَقَطَتْ عَيْنُهُ الْيُمْنَى.

ضَحِكَ الصَّدِيقَانِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْمَاءُ.

جَرَى الْمَاءُ عَلَى الرَّمْلِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى نَخْلَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا.

قَالَ سَامِرٌ: «عِنْدَنَا أَيْضًا يَذُوبُ الثَّلْجُ فِي الرَّبِيعِ، فَيَسْقِي الشَّجَرَ.»

نَظَرَ رَاشِدٌ إِلَى النَّخْلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَقَالَ بِفَخْرٍ: «هَذِهِ أَوَّلُ نَخْلَةٍ فِي الْوَاحَةِ تَشْرَبُ ثَلْجًا.»