ابْنَةُ الصَّيَّادِ وَالشَّبَكَةُ الضَّائِعَةُ
بَعْدَ الْعَاصِفَةِ، كَانَ الْبَحْرُ هَادِئًا، كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا.
لَكِنَّ الْمِينَاءَ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. قَوَارِبُ مَائِلَةٌ عَلَى الرَّمْلِ، وَحِبَالٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَصَيَّادُونَ يَحُكُّونَ رُؤُوسَهُمْ.
وَقَفَتْ جُمَانَةُ مَعَ أَبِيهَا عَلَى الشَّاطِئِ. قَارِبُهُمَا بِخَيْرٍ. لَكِنَّ الشَّبَكَةَ الَّتِي تَرَكَهَا فِي الْبَحْرِ أَمْسِ لَيْسَتْ فِي مَكَانِهَا.
قَالَ أَبُوهَا: «هَذِهِ شَبَكَتِي الْوَحِيدَةُ، وَالْجَدِيدَةُ ثَمَنُهَا كَبِيرٌ.» ثُمَّ جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ الْقَارِبِ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا آخَرَ.
لَمْ تُحِبَّ جُمَانَةُ هَذَا الصَّمْتَ. مَشَتْ عَلَى الشَّاطِئِ، تَنْظُرُ إِلَى مَا تَرَكَتْهُ الْعَاصِفَةُ. خَشَبٌ. طَحَالِبُ. حِذَاءٌ وَاحِدٌ.
ثُمَّ رَأَتْ شَيْئًا أَصْفَرَ فِي الرَّمْلِ.
إِنَّهَا عَوَّامَةٌ صَغِيرَةٌ، مِنَ الَّتِي يَرْبِطُهَا أَبُوهَا فِي شَبَكَتِهِ. تَعْرِفُهَا جَيِّدًا، فَقَدْ لَوَّنَتْهَا بِيَدِهَا فِي الصَّيْفِ.
مَشَتْ أَبْعَدَ، فَوَجَدَتْ عَوَّامَةً ثَانِيَةً، ثُمَّ ثَالِثَةً. كَانَتْ كُلُّهَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، نَحْوَ الصُّخُورِ السَّوْدَاءِ.
أَخَذَتْ جُمَانَةُ قِطْعَةَ خَشَبٍ صَغِيرَةً، وَرَمَتْهَا فِي الْمَاءِ، وَوَقَفَتْ تُرَاقِبُهَا.
تَحَرَّكَتِ الْخَشَبَةُ بِبُطْءٍ. لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الشَّاطِئِ. ذَهَبَتْ نَحْوَ الصُّخُورِ السَّوْدَاءِ.
رَكَضَتْ جُمَانَةُ إِلَى أَبِيهَا، وَوَضَعَتِ الْعَوَّامَاتِ الثَّلَاثَ فِي حِجْرِهِ. قَالَتْ: «الْبَحْرُ يَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى هُنَاكَ. جَرَّبْتُ بِقِطْعَةِ خَشَبٍ.»
نَظَرَ أَبُوهَا إِلَى الْعَوَّامَاتِ، ثُمَّ إِلَى الصُّخُورِ الْبَعِيدَةِ. ثُمَّ وَقَفَ.
قَالَتْ: «وَأَنَا مَعَكَ!»
قَالَ: «الْبَسِي سُتْرَةَ النَّجَاةِ أَوَّلًا.»
كَانَ الْمَاءُ عِنْدَ الصُّخُورِ أَخْضَرَ دَاكِنًا. أَبْطَأَ أَبُوهَا الْقَارِبَ حَتَّى لَا يَضْرِبَ الصَّخْرَ.
وَهُنَاكَ رَأَتْهَا جُمَانَةُ قَبْلَهُ: عَوَّامَاتٌ صَفْرَاءُ، تَرْتَفِعُ وَتَنْزِلُ مَعَ الْمَوْجِ.
صَاحَتْ: «الشَّبَكَةُ!»
كَانَتِ الشَّبَكَةُ عَالِقَةً بِصَخْرَةٍ. وَكَانَ فِيهَا شَيْءٌ كَبِيرٌ يَتَحَرَّكُ.
اقْتَرَبَا بِبُطْءٍ. ظَهَرَ مِنَ الْمَاءِ رَأْسٌ صَغِيرٌ، وَعَيْنَانِ قَدِيمَتَانِ. ثُمَّ غَابَ الرَّأْسُ.
قَالَتْ جُمَانَةُ هَمْسًا: «سُلَحْفَاةٌ!»
كَانَتْ سُلَحْفَاةً بَحْرِيَّةً كَبِيرَةً، الْتَفَّتِ الْخُيُوطُ حَوْلَ زِعْنِفَتِهَا.
قَالَ أَبُوهَا: «تُرِيدُ أَنْ تَصْعَدَ لِتَتَنَفَّسَ، وَالشَّبَكَةُ تَشُدُّهَا. أَمْسِكِي الْمِجْدَافَ، وَلَا تُقَرِّبِي يَدَكِ مِنْ فَمِهَا.»
أَخْرَجَ سِكِّينَهُ الصَّغِيرَةَ، وَانْحَنَى مِنْ حَافَّةِ الْقَارِبِ. بَدَأَ يَقْطَعُ الْخُيُوطَ، خَيْطًا خَيْطًا.
نَظَرَتْ جُمَانَةُ إِلَى الشَّبَكَةِ. كَانَ فِيهَا ثَقْبٌ يَكْبَرُ. قَالَتْ: «أَبِي! إِنَّكَ تَقْطَعُ شَبَكَتَكَ!»
قَالَ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ: «الشَّبَكَةُ نُصْلِحُهَا.»
انْقَطَعَ آخِرُ خَيْطٍ. بَقِيَتِ السُّلَحْفَاةُ سَاكِنَةً لَحْظَةً. ثُمَّ دَفَعَتِ الْمَاءَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَغَابَتْ فِي الْأَخْضَرِ.
فِي الْمَسَاءِ، نَشَرَ أَبُوهَا الشَّبَكَةَ عَلَى الرَّمْلِ. كَانَ فِي وَسَطِهَا ثَقْبٌ يَدْخُلُ مِنْهُ وَلَدٌ.
قَالَ: «انْتَهَى الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. لَمْ يَبْقَ عِنْدَنَا إِلَّا هَذَا.» وَأَخْرَجَ بَكَرَةَ خَيْطٍ أَحْمَرَ.
عَلَّمَهَا الْعُقْدَةَ: لَفَّةٌ، ثُمَّ لَفَّةٌ، ثُمَّ شَدَّةٌ. أَخْطَأَتْ فِي الْأُولَى، وَأَخْطَأَتْ فِي الثَّانِيَةِ. فَكَّتْهُمَا، وَبَدَأَتْ مِنْ جَدِيدٍ.
وَحِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، صَارَتْ عُقَدُهَا تُشْبِهُ عُقَدَ أَبِيهَا.
مَرَّ الْعَمُّ سَالِمٌ، وَنَظَرَ إِلَى الْبُقْعَةِ الْحَمْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّبَكَةِ. ضَحِكَ وَقَالَ: «مَا هَذَا؟ سَيَخَافُ السَّمَكُ!»
قَالَ أَبُوهَا، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ: «هَذِهِ عُقَدُ ابْنَتِي.»
فِي الْفَجْرِ التَّالِي، لَبِسَتْ جُمَانَةُ سُتْرَتَهَا، وَخَرَجَتْ مَعَ أَبِيهَا فِي الْقَارِبِ. أَمْسَكَتْ طَرَفَ الشَّبَكَةِ، وَأَنْزَلَتْهَا مَعَهُ فِي الْمَاءِ، شِبْرًا بَعْدَ شِبْرٍ.
وَكَانَتِ الْعُقَدُ الْحَمْرَاءُ آخِرَ مَا غَابَ.