الْمَقْعَدُ الْفَارِغُ بِجَانِبِي

مِنْ 6 إِلَى 8 سَنَوَاتٍوَقْتُ الْقِرَاءَةِ: 3 دَقَائِقَ

حَقِيبَتِي تَجْلِسُ بِجَانِبِي.

أَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَائِبَ لَا تَجْلِسُ. لَكِنَّ هَذَا مَا يَحْدُثُ فِي صَفِّنَا، فِي الْمَقْعَدِ الْقَرِيبِ مِنَ النَّافِذَةِ.

كَانَ هَذَا الْمَقْعَدُ لِرَاشِدٍ. جَلَسَ فِيهِ مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ فِي الْمَدْرَسَةِ. كُنَّا نَتَقَاسَمُ الْأَقْلَامَ وَالْخُبْزَ وَالضَّحِكَ.

ثُمَّ انْتَقَلَتْ عَائِلَتُهُ إِلَى مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ.

قُلْتُ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ: «لَنْ يَجْلِسَ أَحَدٌ فِي مَقْعَدِكَ.»

وَلِهَذَا وَضَعْتُ حَقِيبَتِي فِيهِ.


يَوْمَ الْأَحَدِ جَاءَ تِلْمِيذٌ جَدِيدٌ، اسْمُهُ طَارِقٌ.

نَظَرَتِ الْمُعَلِّمَةُ حَوْلَهَا، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى حَقِيبَتِي. سَأَلَتْنِي: «هَلْ هَذَا الْمَقْعَدُ فَارِغٌ يَا كَرِيمُ؟»

قُلْتُ بِسُرْعَةٍ: «لَا. هَذَا مَقْعَدُ صَدِيقِي.»

جَلَسَ طَارِقٌ وَحْدَهُ فِي آخِرِ الصَّفِّ، عِنْدَ الْبَابِ.

يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، أَكَلَ طَارِقٌ شَطِيرَتَهُ وَحْدَهُ فِي السَّاحَةِ. نَظَرْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى الْكُرَةِ.

وَفِي حِصَّةِ الرَّسْمِ، احْتَجْتُ إِلَى قَلَمٍ أَحْمَرَ. الْتَفَتُّ إِلَى جَانِبِي، كَمَا كُنْتُ أَفْعَلُ دَائِمًا. لَكِنَّ الْحَقَائِبَ لَا تُعْطِي أَقْلَامًا.

يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، سَقَطَتْ مِمْحَاتِي، وَتَدَحْرَجَتْ حَتَّى آخِرِ الصَّفِّ.

الْتَقَطَهَا طَارِقٌ، وَمَشَى إِلَيَّ، وَوَضَعَهَا أَمَامِي. نَظَرَ إِلَى الْحَقِيبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ.

فِي الْمَسَاءِ رَنَّ هَاتِفُ أُمِّي، وَنَادَتْنِي: «كَرِيمُ! رَاشِدٌ يُرِيدُكَ!»

رَكَضْتُ إِلَى الْهَاتِفِ، وَسَأَلْتُهُ: «كَيْفَ مَدْرَسَتُكَ الْجَدِيدَةُ؟»

سَكَتَ رَاشِدٌ قَلِيلًا. ثُمَّ قَالَ: «جَمِيلَةٌ. لَكِنِّي أَجْلِسُ وَحْدِي فِي آخِرِ الصَّفِّ. كُلُّ مَقْعَدٍ لَهُ صَاحِبٌ. وَآكُلُ شَطِيرَتِي وَحْدِي.»

لَمْ أَعْرِفْ مَاذَا أَقُولُ.

بَعْدَ الْمُكَالَمَةِ، جَلَسْتُ عَلَى سَرِيرِي طَوِيلًا. كُنْتُ أَرَى وَلَدًا عِنْدَ بَابِ صَفٍّ بَعِيدٍ. وَكُنْتُ أَرَى وَلَدًا آخَرَ عِنْدَ بَابِ صَفِّنَا.


يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَصَلْتُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ مُبَكِّرًا.

رَفَعْتُ حَقِيبَتِي عَنِ الْمَقْعَدِ، وَوَضَعْتُهَا عَلَى الْأَرْضِ. بَدَا الْمَقْعَدُ غَرِيبًا دُونَهَا.

دَخَلَ طَارِقٌ، وَمَشَى نَحْوَ آخِرِ الصَّفِّ.

قُلْتُ: «طَارِقُ! هَذَا الْمَقْعَدُ فَارِغٌ.»

وَقَفَ، وَنَظَرَ إِلَى الْمَقْعَدِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ. سَأَلَ: «أَلَيْسَ مَقْعَدَ صَدِيقِكَ؟»

قُلْتُ: «صَدِيقِي يَجْلِسُ فِي مَدْرَسَةٍ أُخْرَى. وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ بِجَانِبِهِ أَحَدٌ.»

جَلَسَ طَارِقٌ. فَتَحَ حَقِيبَتَهُ، وَأَخْرَجَ قَلَمًا أَحْمَرَ، وَوَضَعَهُ بَيْنَنَا. قَالَ: «هَذَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَّا.»

نَظَرْتُ إِلَيْهِ. كَيْفَ عَرَفَ؟ ثُمَّ فَهِمْتُ. مَنْ يَجْلِسُ فِي آخِرِ الصَّفِّ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ.

يَوْمَ الْخَمِيسِ، رَنَّ هَاتِفُ أُمِّي مَرَّةً أُخْرَى. كَانَ صَوْتُ رَاشِدٍ مُخْتَلِفًا.

قَالَ: «خَمِّنْ مَاذَا حَدَثَ! دَعَانِي وَلَدٌ اسْمُهُ مَاجِدٌ إِلَى اللَّعِبِ فِي السَّاحَةِ!»

ضَحِكْنَا كَثِيرًا. ثُمَّ سَأَلَنِي: «وَأَنْتَ؟ هَلْ مَا زَالَ مَقْعَدِي فَارِغًا؟»

نَظَرْتُ إِلَى حَقِيبَتِي عَلَى الْأَرْضِ. كَانَ فِيهَا قَلَمٌ أَحْمَرُ لَيْسَ لِي.

قُلْتُ: «لَا. وَعِنْدِي لَكَ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. إِنَّهَا تَبْدَأُ بِحَقِيبَةٍ.»